بطارية طائرة بوينغ 787: بداية المشاكل   
الأربعاء 1435/11/16 هـ - الموافق 10/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:56 (مكة المكرمة)، 15:56 (غرينتش)

في صباح أحد أيام شهر يناير/كانون الثاني 2013، كان كينيتشي كاوامورا يستقل الرحلة نفسها التي دأب على استقلالها شهريًا من ياماغوتشي جنوبي اليابان إلى العاصمة طوكيو.

بدا كل شيء روتينيًا خلال الرحلة، باستثناء أن السيد كاوامورا كان يسافر على متن طائرة بوينغ 787 (دريملاينر).

يقول كاوامورا "انتابني شعور بالإثارة بعض الشيء لدى صعودي على متن الطائرة، لقد كانت حديثة جدًا حتى أنها كانت لا تزال تعبق بتلك الرائحة".

صعدت رحلة الخطوط اليابانية رقم 692 في الوقت المحدد، وبعد بلوغها ارتفاع الطيران، قام الطيار بإطفاء علامة ربط حزام المقعد.

دخان يتصاعد
وفجأة دخلت الطائرة في هبوط حاد. يقول كاوامورا "بدأ المشروب الذي وضعته على الطاولة المنزلقة بالتدحرج نحو الأمام، كما وقعت الصحف الثلاث التي وضعتها بجانبي على الأرضية".

"ناديت مضيفة جوية وكنت على وشك سؤالها عمّا يحدث، عندما جاء إعلان من قبل الطيار. كانت كلماته بالتحديد: هناك دخان يتصاعد من بدن الطائرة لكن ليست هناك أية مشكلة في لوحة الأدوات، سوف نهبط اضطراريًا في مطار تاكاماتسو".

دب الخوف في قلوب الركاب، ويقول كاوامورا "ظننت أن الطائرة ستتحطم، لقد كانت لحظات مرعبة".

هبطت الطائرة اضطرارياً بسلام، لكن كان ما يزال على الركاب البالغ عددهم 129، وثمانية من أفراد الطاقم، إخلاء الطائرة.

حدث ليس له مثيل
يقول المسافر أوي كازونوري "كنت أول من توجه نحو المزلقة للهبوط، كان الجميع متوترين للغاية. تلقيت دفعة من الخلف فغادرت الطائرة".

كان رجال الإسعاف والإطفاء يترقبون، أصيب ثلاثة أشخاص عند هبوطهم بالمزلقة نحو المدرج.

يقول أميتاني نوريوكي أحد رجال الإطفاء بالمطار "لقد كان حدثا ليس له مثيل، وأتذكر أنني كنت في غاية التوتر". بعد نقل المسافرين إلى بر الأمان وجّه المحققون انتباههم نحو معرفة أين تكمن المشكلة.

يقول تاكوشي كوجي "أحضرنا رافعة هيدروليكية إلى جانب الطائرة للصعود وتفحص قمرة القيادة. وبالفحص الدقيق، لاحظنا وجود صندوق أزرق قد تمدد حجمه"، كانت هذه هي بطارية الطائرة 787.

تعليق رحلات
للمرة الثانية منذ دخولها الخدمة، تفشل بطارية بوينغ المصنوعة من أيون الليثيوم خصيصًا "لطائرة دريملاينر".

وكانت بطارية أخرى قد احترقت قبل تسعة أيام من هذا الحادث، على متن طائرة بوينغ 787 مملوكة للخطوط الجوية اليابانية.

فعندما هبطت الرحلة رقم "جاي أي8" (JA008) في بوسطن قادمة من مطار ناريتا، لاحظ موظفو الصيانة توقف "وحدة الطاقة الإضافية" (APU) عن العمل. وطبقًا لتقرير الحريق، قام أحد الميكانيكيين بفتح حجيرة الإلكترونيات "فلاحظ دخاناً وألسنة لهب تتصاعد من بطارية وحدة الطاقة الإضافية"، وأصيب أحد رجال الإطفاء بجروح طفيفة.

وعلى الفور، أعلنت السلطة المسؤولة -ممثلة في إدارة الطيران الاتحادية الأميركية- شروعها في مراجعة "الأنظمة الحيوية" لطائرة 787، كما أعلنت أن الطائرة "آمنة"، ولكن عندما تعطلت البطارية ثانية في اليابان، ذهبت الإدارة إلى أبعد من ذلك حيث علَّقت عمل جميع طائرات 787 الموجودة في الخدمة في الولايات المتحدة.

ثم قامت السلطات وخطوط الطيران في شتى أنحاء العالم بالسير على نهج الإدارة، وفي غضون ثلاثة أشهر من الحادث أصبحت جميع طائرات 787 حول العالم خارج الخدمة.

سارعت بوينغ لإيجاد حل للمشكلة. وفي نهاية المطاف، ودون إعلان عن جذور تلك الأعطال، جاءت بالحل، إذ وضعت البطارية في صندوق ثقيل من الصلب، وعززته بعوازل أكثر وعادم للدخان.

وقد أقرت الإدارة هذا التصميم المعدل، وعادت "دريملاينر" إلى الأجواء بنهاية أبريل/نيسان.

تغير قواعد اللعبة
علقت بوينغ آمالاً عريضة على أحدث طرازاتها من الطائرات، وهي طائرة 787. فقد وعد الرئيس والمدير التنفيذي للشركة، هاري ستونسايفر، بأنها ستكون "أكبر مغير لقواعد اللعبة في مجال الطيران المدني منذ سابقتها 707 التي كانت إيذاناً ببزوغ فجر الطيران النفاث".

فقد صمم المهندسون الكثير من الأجزاء لتكون مختلفة كليًا لسبب واحد، هو اعتماد طائرة 787 أكثر على الطاقة الكهربائية. ولكن لتحقيق ذلك، احتاجت الطائرة إلى بطارية أقوى بكثير.

اختارت بوينغ البطارية التي قالت إنها الأفضل لاستيفاء متطلبات طائرة 787، بما في ذلك جميع معايير السلامة الاتحادية والدولية. وقد تحدث مايك سينيت، كبير مهندسي طائرة بوينغ 787 إلى المحققين في الحادث قائلاً "لقد اخترنا بطارية أيون الليثيوم لأنها كانت فائقة الأداء مقارنة بتقنيات البطاريات الأخرى في ذلك الوقت"، وأضاف "كنا نبحث عن كثافة الطاقة".

وقد لجأت الشركة إلى اختيار واحدة من أكثر المركبات الكيميائية المتاحة تقلبًا وعنفًا، وهو كوبالت الليثيوم. فالبطارية تنتج تقريبًا عشرة أضعاف التيار الذي تنتجه نظيرتها بطارية النيكل والكادميوم في البوينغ 777.

جهاز لحقن الوقود بمحرك نفَّاث
ثم كان أن برزت مخاطر جديدة مع كثافة الطاقة، على نحو ما اكتشفته بوينغ في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 في توكسون، بولاية أريزونا.

في ذلك اليوم، فشل النموذج الأولي لبطارية أيون الليثيوم المعد للاستخدام في طائرة "دريملاينر" في الاختبار.

يقول مايكل ليون، الفني الذي كان يتعامل مع البطارية، "فجأة وجدت نفسي ممدًا على الأرض". ووصف ما شاهده من انبعاث دخان بطول أربعة أمتار.

ويقول "لقد بدا وكأنه جهاز لحقن الوقود في محرك نفَّاث. وأخبرني المهندسون الآخرون بأنني لو ظللت ممداً في مكاني، لقطعني ذلك الجهاز إلى نصفين كأنه سيف ضوئي".

وللعلم، فقد دمرت النيران المصنع الرئيسي لشركة سيكيورابلاين، وهي الشركة التي تعاقدت معها بوينغ لابتكار شاحن لبطارية أيون الليثيوم السالفة الذكر.

اختبار فاشل آخر
طبقا لإدارة الطيران الاتحادية الأميركية، فقد أعادت بوينغ تصميم البطارية بعد حادثة سيكيورابلاين، "وأضافت مستوًى آخر من الحماية".

ولكن بعد مرور ثلاثة أعوام، فشل التصميم الجديد في منشأة اختبار في إلينوي. ومن ثم قامت بوينغ بمزيدٍ من التعديلات.

وصرحت الإدارة بأن تصميم بوينغ لا بد أن "يحول دون حدوث ارتفاعات منفلتة في درجات الحرارة أو الضغط". واعتُبرت الحالة الخاصة لبطاريات أيون الليثيوم في طائرة 787، مماثلة لمتطلبات الطائرات الأخرى.

ولكن بحلول شهر يناير/كانون الثاني 2013، وبعد تعطل بطاريتين أثناء الخدمة، كان هناك سؤال يطرح نفسه، عمّا إذا كانت بوينغ قد التزمت بهذه القاعدة أم لا.

قالت بوينغ إنها التزمت بتلك القاعدة. بينما صرحت الجهات المعنية بالتحقيق في الحوادث بالولايات المتحدة، والمجلس الوطني لسلامة النقل، بأن النتائج الأولية لحادثة بوسطن أشارت إلى أن إحدى الخلايا الثماني الخاصة بالبطارية أظهرت "تغذية ذاتية وارتفاعًا غير محكوم في الحرارة".

اختبار غير كافٍ
بعد تعطل البطارية مرتين، بدأ المجلس الوطني لسلامة النقل بالتساؤل عما إذا كانت بوينغ قد أجرت الاختبارات الكافية. وخلال جلسة الاستماع التي استمرت يومين في شهر أبريل/نيسان 2013 للتحقيق في حادثة بوسطن، بدت بوينغ وكأنها على وشك الاعتراف بأنها لم تفعل ذلك بصورة كافية.

وقد تضمن أحد الاختبارات الرئيسية التي أجرتها، دق مسمار في البطارية لإحداث تماس كهربائي. بدا الأمر وكأنه بسيط جدًا، على الرغم من قول الشركة في ذلك الوقت بأن البطارية خضعت لاختبارات "متطورة جدًا".

وصرح مايك سينيت من بوينغ، خلال جلسة الاستماع، قائلاً "أعتقد بأننا شعرنا -في وقت لاحق- أن الاختبار لم يكن صائبا بما فيه الكفاية".

كما تبين أيضًا أن بوينغ لم تختبر البطارية بما يتماشى مع التوجيهات الخاصة بهذه الصناعة، والتي وضعتها اللجنة الفنية اللاسلكية للملاحة الجوية (RTCA) تحت اسم "دي أو 311" (DO311).

فقد صدرت هذه المدونة بعد ثلاثة أشهر من اعتماد بوينغ لهذه البطارية. وعلى الرغم من أن الشركة كانت في وضع يستدعي الحديث عن ذلك، فإنها صرحت بأنها لم ترَ أي داعٍ لتطبيق توجيهات "دي أو 311" (DO311) على بطارية الطائرة 787.

بحلول شهر مايو/أيار 2014، خلص المجلس الوطني لسلامة النقل إلى أن بوينغ وقعت في التقصير. وقد أصدر كريستوفر هارت، رئيس المجلس، توصياته لإدارة الطيران الاتحادية الأميركية لحثهم على المطالبة بإجراء اختبارات أصعب على البطاريات التي ينتجها مصنعو الطائرات مثل بوينغ.

التعهيد
يقول ريتشارد لوكسو، مؤسس سيكيورابلاين "كانت بوينغ ملزمة -في رأيي- بفعل كل ما في استطاعتها للتأكد من أن هذا لم يكن ليحدث أبدًا". وقد ترك لوكسو الشركة قبيل حدوث حريق نوفمبر/تشرين الثاني 2006.

ويقول أيضًا "كان ينبغي إجراء المزيد من الاختبارات".

كما أشار إلى أنه يمكن الإلقاء باللوم ولو جزئيًا على التعهيد. وبالنسبة لطائرة "دريملاينر"، أسندت بوينغ العمل إلى شركة فرنسية تدعى طاليس، والتي عهدته بدورها إلى شركة يابانية تدعى "جي أس يواسا" لتصميم البطارية وإنتاجها. اختارت طاليس شركة سيكيورابلاين لصناعة الشاحن، بينما قامت شركة ثالثة تدعى "كانتو" بصناعة وحدة مراقبة البطارية.

يقول لوكسو أعاقت هذه السلسلة المعقدة من الإمداد إشراف بوينغ، "إذن، فما هو أثرها على السلامة؟".

وأضاف لوكسو قائلاً "الأمر يرتبط بصورة مباشرة بمقدار الوقت الذي يمضي دون أن تكون متواجدًا هناك بنفسك. إنهم لم يرغبوا بالاضطلاع بمزيد من مهام الإشراف والضبط المناطة بهم. ونتيجة لذلك، أعتقد أن الكثير من الأشياء تمرُّ دون الانتباه إليها أو التعامل معها".

كابوس بوينغ
تقول بوينغ اليوم بأنها تثق في نظام البطارية المحسن في طائرة 787. إن البطارية التي أعيد تصميمها في عام 2013، تحتوي الآن -بحسب وصف بوينغ- على "تحسينات في الإنتاج وتصميم البطارية نفسها، وتغييرات في شاحن البطارية، وأخيرًا في هيكل التغليف والعادم الذي يضمن عدم تأثير أي تنفيس في إحدى خلايا البطارية على الطائرة".

لقد عانت بوينغ من كابوس بسبب بطارية أيون الليثيوم على متن طائرة "دريملاينر"، فقائمة المشاكل لا تكاد تنتهي.

كان نموذج أولي مصدرًا لحريق دمر مصنع مورد في عام 2006. وبعد ثلاث سنوات من ذلك حدث فشل آخر في اختبار للبطارية. واحترقت بطاريتان أثناء الخدمة في يناير/كانون الثاني 2013، وتبين فيما بعد أن مائة بطارية على الأقل أصابها عطل فأُعيدت إلى الشركة المصنعة "جي أس يواسا" في اليابان. 

وقد حدث كل ذلك قبل إيقافها عن الخدمة. وبعد ذلك، حتى مع التعديلات، كانت هناك مشاكل أخرى.

ففي الثاني من شهر يونيو/حزيران من العام الفائت، اكتشفت شركة طيران آنا اليابانية مشكلة في جهاز استشعار بطارية معدلة على متن طائرة 787، والتي لم يمض أسبوع واحد على عودتها إلى الخدمة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أبلغت الخطوط الجوية اليابانية عن مشاكل في البطارية على متن رحلة كانت متجهة من هلسنكي إلى طوكيو، بينما أعلنت آنا عن استبدالها لشاحن إحدى البطاريات.

أما في يناير/كانون الثاني 2014، فقد أوقفت الخطوط الجوية اليابانية إحدى طائرات "دريملاينر" عن الخدمة، بعد رؤية دخان أبيض يتصاعد من نظام البطارية خلال عملية فحص أُجريت قبل الإقلاع.

وسواء أجرت بوينغ اختبارات كافية أم لم تجر، فثمة حقيقة واحدة واضحة، وهي أن البطارية جلبت معها مخاطر بعينها لم تتوقعها الشركة.

وفي مقابل الفوائد المجنية من الطاقة الكهربائية الإضافية، كان الثمن حرائق وأعطالاً وإيقافَ أسطول كامل عن العمل.

LINK TO FULL BOEING RESPONSE AND BYLINE WILL JORDAN, ADD TWITTER HANDLE AT THE END OF THE ARTICLE. 

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة