المتطوعون العرب في العراق.. ماذا تخبئ لهم الأيام؟   
الاثنين 1424/2/13 هـ - الموافق 14/4/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

مجموعة من المتطوعين العرب يرفعون المصحف والرشاش
في أحد معكسرات تدريبهم في بغداد قبيل الحرب

محمد عبد العاطي*

مصير مجهول ينتظر المتطوعين العرب في العراق، وبعد أن سيطرت القوات الأميركية والبريطانية على البلاد لا يعلم أحد ماذا تخبئ لهم الأيام.

لا يدعي هذا التقرير أنه سيوفي هذه المسألة حقها نظرا لقلة المعلومات من جهة، ولأنه ترافق مع الفوضى التي شوهدت في شوارع بغداد وكبريات المدن العراقية، اضطراب في الفكر والرؤى حال دون معرفة الكثير من حقائق الأشياء على الأرض من جهة أخرى.

ولكن على أي حال هي محاولة ربما تكون مفيدة في إلقاء بعض الضوء على هذه الزاوية من المشهد العراقي المعقد. ويستعرض هذا التقرير النقاط التالية:

  • جذور ظاهرة المتطوعين العرب.. النموذج الفلسطيني والأفغاني.
  • المتطوعون العرب في العراق.. انتماءاتهم الفكرية وأطرهم التنظيمية.
  • أوضاعهم في العراق قبل الحرب وبعدها.
  • سيناريوهات المستقبل الذي ينتظرهم.

المتطوعون العرب.. ظاهرة لها جذور
فلسطين نموذجا:
ظاهرة تطوع عدد من العرب لما يعتقدون أنه مناصرة "للمستضعفين" الذين يواجهون قوى "الاستكبار" في الأرض ليست مستحدثة، فالتاريخ الحديث والمعاصر يرصد الكثير من هذه الحالات، ولعل أبرزها تلك التي نشأت مع بروز المقاومة الفلسطينية للهجرة اليهودية أوائل القرن العشرين، حيث تسلل إلى فلسطين خاصة من القرى الحدودية الأردنية بعض المتطوعين واشتركوا مع أهالي تلك القرى في حفظ الأمن في قراهم، ثم الاشتراك معهم في بعض العمليات المسلحة المحدودة ضد المستوطنات الإسرائيلية التي كانت تتم تحت أعين ومباركة القوات البريطانية المحتلة لفلسطين آنذاك.

ثم توسعت ظاهرة المتطوعين العرب هذه عام 1948 حينما أعلنت إسرائيل قيام دولتها واعترفت بها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بعد دقائق من هذا الإعلان. فدخلت قوات نظامية من عدة دول تصحبها قوات غير نظامية شكلها متطوعون عرب من حركات سياسية مختلفة كان أبرزهم المتطوعون التابعون لجماعة الإخوان المسلمين في مصر بالتنسيق مع الإخوان المسلمين في سوريا وبعض الرموز الإسلامية في فلسطين.

وقد حقق هؤلاء المتطوعون بعض النجاحات في ميدان القتال خاصة في الخطوط الخلفية للقوات الإسرائيلية كما تحدثت عن ذلك الكثير من أدبياتهم.

وبعد انتهاء الحرب بهزيمة الجيوش العربية وانسحابها، تركت مجموعات المقاومة التابعة للمتطوعين العرب هذه هائمة على وجوهها إما في بعض المدن والقرى الفلسطينية التي لم تخضع للسيطرة الإسرائيلية أو في المعسكرات التي أقاموها في صحراء فلسطين مثل صحراء النقب وغيرها.

وبعد اتصالات ومفاوضات تمت بين قادة العرب السياسيين بخاصة رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي والبريطانيين الذين كانوا يحتلون مصر آنذاك، تم الاتفاق على عدة قرارات حاسمة لتقليص هذه الظاهرة كان منها إصدار قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين (الذين نظموا تجميع وتدريب المتطوعين العرب في فلسطين) وإلقاء القبض على هؤلاء المتطوعين واعتقالهم خوفا من ردود أفعالهم، فتم ذلك بالفعل في معتقل الطور بصحراء سيناء.

المشهد يتكرر في أفغانستان
ثم طويت منذ ذلك التاريخ صفحة مهمة من صفحات التطوع الأهلي العربي لتبدأ من جديد بعد ثلاثة عقود وبداية الثمانينات في أفغانستان عقب الاجتياح السوفياتي لها.

وفي أفغانستان وبين جبالها وهضابها تطورت ظاهرة المتطوعين العرب لمناصرة "المستضعفين" ومحاربة "المستكبرين" على حد تصنيفهم ووصفهم وكما جاء في أطروحاتهم الفكرية. وتطورت على الأرض الأفغانية هذه الظاهرة واتخذت أبعادا وأشكالا مختلفة على مدى عقد الثمانينات بأكمله، فاشترك فيها خليط من مختلف التيارات الإسلامية بنسب وبدرجات مختلفة.

ثم انتهت الحرب الأفغانية الروسية ولكن الظاهرة لم تنته، فبعضهم فضل عدم العودة إلى أوطانهم الأصلية خوفا من بطش الأجهزة الأمنية التي اعتبرتهم عناصر خطرة على أنظمتها السياسية، فبقي من بقي منهم هناك ورحل آخرون إلى أماكن ساخنة ومتوترة أخرى يمارسون فيها عملهم التطوعي، فاتسع انتشارهم ليشمل أماكن من الشيشان والبوسنة والصومال وغيرها. وفي الوقت نفسه اتسعت الملاحقات الأمنية لهم واشتركت فيها مع بعض الأجهزة العربية التي تتعقبهم، أجهزة استخباراتية أخرى خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة.

المتطوعون في العراق
شيخ الأزهر سيد طنطاوي
أما في العراق فالصورة تختلف وتتشابه في بعض جوانبها. بدأت فكرة الترويج لحاجة العراق إلى متطوعين بعد التأكد من أن هذا البلد العربي مقدم على حرب لا محالة، خاصة مع أواخر شهري فبراير/ شباط وأوائل مارس/آذار الماضيين. وكما حدث في بدايات الحرب الأفغانية الروسية فقد غضت بعض الأنظمة العربية الطرف عن سفر مواطنيها إلى هناك، وشجعت أجهزة رسمية في بعض الدول العربية على هذا الأمر فصدرت فتاوى رسمية من مصر وسوريا باعتبار من يفجر نفسه في الجنود الأميركيين والبريطانيين المحتلين شهيدا، وبأن "باب الجهاد" في العراق "مفتوح" لتشجيع هؤلاء الشباب المتطوع للوقوف بجانب "إخوانهم" العراقيين. ووصل الأمر بشيخ أكبر مؤسسة دينية في العالم الإسلامي السني وهي الأزهر الشريف إلى أن يعلن مساعدته لأي راغب في "الجهاد" في العراق.

انتماءاتهم الفكرية والتنظيمية

متطوعون عرب متحمسون للدفاع عن العراق في معسكر قرب بغداد قبيل الحرب

وتحت تأثير الصخب الإعلامي والمشاعر الملتهبة والمشحونة بالكراهية للأميركيين، يبدو أن بعض الشباب العربي استجاب لهذه الدعوات، وتدفقوا بالفعل على العراق. وكانوا هذه المرة يختلفون عن أولئك الذين تدفقوا من قبل على أفغانستان حيث لم يكونوا كلهم من الإسلاميين، وإنما شاركهم الكثير من مختلف التيارات الأخرى سواء من الناصريين واليساريين والقوميين أو حتى من أولئك غير "المأدلجين" أو المنتمين إلى أي تيار فكري أو تنظيمي بعينه.

أعدادهم
وبالنسبة لأعداد من ذهبوا إلى العراق من هؤلاء المتطوعين فمن الصعب تحديده بدقة، ذلك أنهم خرجوا من بلدانهم تحت لافتات متعددة منها لغرض السياحة أو التعليم أو أداء العمرة..إلخ. ولا يمكن الركون إلى التصريحات العراقية التي ذكرت أنهم بلغوا ثمانية آلاف متطوع على حد قول وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف، أو أربعة آلاف جاؤوا من "جميع الدول العربية" على حد قول المتحدث باسم الجيش العراقي اللواء حازم الراوي، لأن هذه التصريحات جاءت في أوج الحرب النفسية والدعائية التي كانت مستعرة بين الحكومة العراقية السابقة والقوات الأميركية والبريطانية المحاربة. كذلك ليس بالإمكان تقريب هذا العدد ومعرفة ما إذا كانوا بالمئات أم بالآلاف، لذا فالبحث عن إحصاء دقيق لعددهم متعذر في الوقت الحالي.

متطوع عربي يتدرب على السلاح في معسكر بالعراق قبيل الحرب

تدريباتهم ومعسكراتهم

وصل هؤلاء المتطوعون إلى العراق والتحقوا ببعض المعسكرات التي أقامتها لهم الحكومة العراقية السابقة ووضعت لهم بعض البرامج التدريبية السريعة، خاصة لأولئك الذين لم يتعاملوا مع أسلحة خفيفة من قبل. ونقلت الجزيرة لقطات من داخل أحد هذه المعسكرات قبيل اندلاع الحرب.

وقال الجيش العراقي إنه يعد هؤلاء للقيام بعمليات "استشهادية ضد الغزاة حتى ولو كانت جيوش هؤلاء الغزاة نظامية"، ثم تم توزيعهم على بعض المدن العراقية الأخرى بالإضافة إلى بغداد مثل البصرة والموصل على سبيل المثال. ولا يعرف بدقة طبيعة مهامهم وهل اكتفت القيادة العراقية السابقة بوضعهم حراسا لبعض المنشآت العامة وخلف بعض المتاريس في مداخل الشوارع وفي نقاط متفرقة من بغداد أم اتسعت مهامهم لأبعد من ذلك؟

دورهم في الحرب
وحينما اندلعت الحرب فجر الخميس 20 مارس/ آذار الماضي انشغل المراقبون بتتبع تطوراتها المهمة سواء بالقصف المتواصل لبغداد أو بمتابعة المقاومة التي أبداها الجنود العراقيون في أم قصر والبصرة، ولم يلتفت أحد إلى هؤلاء المتطوعين إلا بعد الإعلان عن بعض العمليات الفدائية وكان من أبرزها على سبيل المثال تلك التي وقعت يوم 29/3 والتي اعترفت فيها القوات الأميركية بمقتل خمسة جنود أميركيين في انفجار سيارة مفخخة جنوب غرب بغداد، ثم خطف بعض الجنود البريطانيين في البصرة في اليوم نفسه. غير أنه في المجمل كانت أخبار هؤلاء المتطوعين ومدى فعاليتهم في الحرب شحيحة للغاية.

أوضاعهم بعد الانهيار
في التاسع من أبريل/ نيسان الجاري وفي ظروف غامضة لم يكشف اللثام عنها بعد، دخلت القوات الأميركية بغداد دون مقاومة وتسلمت معظم أجزاء المدينة بهدوء، ولم ير أثر للقوات النظامية العراقية ولم يعد يسمع أصوات المقاومة إلا فيما ندر في هذا الحي أو ذاك. ترك الجنود العراقيون في بغداد أماكنهم ولم يبق في ميدان المواجهة سوى هؤلاء المتطوعين الذين لم يجدوا تفسيرا لما يرونه، شأنهم في ذلك شأن المراقبين للمشهد العراقي سواء من الداخل أو الخارج.

يعاني هؤلاء المتطوعون حاليا من مشكلات في الإمداد والتموين والتنظيم بعد انهيار الحكومة العراقية، ويتعرضون لحملات دعائية من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا في محاولة منهما -فيما يبدو- لإحداث فجوة بينهم وبين الشعب العراقي حتى يسهل عليها العثور عليهم قبل أن يذوبوا في المجتمع العراقي الكبير.

ملاحظات تستخلصها 50 سنة
ويلاحظ في نهاية استعراض هذه الظاهرة عدة نقاط منها:

  • أن هؤلاء المتطوعين كانت دوافعهم إما وطنية أو دينية تلاقت -أو على الأقل لم تتقاطع- في بداياتها مع مصالح حكوماتهم.
  • بعد انتهاء الحرب أو نتيجة لتطوراتها وتغيرات موازين القوى تغيرت نظرة هذه الحكومات لهم، وتبع ذلك تغير في آليات التعامل معهم بدءا من وقف التشجيع لهم وانتهاء بملاحقتهم أمنيا وتشويه صورتهم الذهنية وإصدار أحكام قضائية عليهم تكفلت بها محاكم عسكرية وصلت في بعض البلدان إلى حد الإعدام.

ويبدو أن المتطوعين في العراق ليسوا بعيدين عن هذا المصير خاصة بعدما بدأت الحملات الدعائية الأميركية والبريطانية ضدهم مبكرا. ويبقى مصير هؤلاء مجهولا فلا يعرف على وجه اليقين ما إذا كانوا سيقعون أسرى في أيدي القوات الأميركية؟ وهل ستعتبرهم في هذه الحالة أسرى حرب أم أعداء للولايات المتحدة تفسح لهم مكانا بجوار "إخوانهم" في غوانتنامو، أم سيبقون في العراق نواة لمقاومة منتظرة ونقطة لتجمع متطوعين آخرين غيرهم؟ أم هل سينجحون في التسلل عائدين إلى بلدانهم؟ وكيف ستستقبلهم حكوماتهم؟.. أسئلة مصيرية عديدة تنتظر هؤلاء المتطوعين الذين ستصبح قضيتهم مرشحة لأن تكون واحدة من التداعيات المهمة لما بعد الحرب.
______________
* قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة