المدائح النبوية بالفرنسية.. صورة الكمال   
الأحد 1432/7/4 هـ - الموافق 5/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:39 (مكة المكرمة)، 11:39 (غرينتش)

غلاف كتاب "مدائح النبي" باللغة الفرنسية الصادر في باريس (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

لا يمكن إهمال الأنطولوجيا التي وضعها وقدّم لها ونقل قصائدها إلى اللغة الفرنسية المترجم القدير إدريس دو فو (Idrîs de Vos) وصدرت حديثا لدى دار النشر الباريسية "أكت سود (سلسلة "سندباد") تحت عنوان "مدائح النبي" صلى الله عليه وسلم.

فمن خلال خيار واسع من القصائد، تسمح لنا هذه الأنطولوجيا بالتعرف جيدا على هذا الموضوع ومتابعة تطوره عبر العصور وحتى يومنا هذا.

النقطة الأولى التي يتوقف عندها المترجم دو فو في مقدمته هي رصده شعورا بالحيرة والارتباك لدى جميع الشعراء الذين عالجوا هذا الموضوع، وهو شعور يرده المترجم إلى المرتبة التي يحتلها خاتم الأنبياء في الإسلام التي تجعل من أي محاولة لمدحه صلى الله عليه وسلم مهمة عاجزة، مهما بلغت درجة فصاحتها أو فنها.

فالعملية الشعرية وإن كانت قادرة أحيانا على قول ما يتعذر التعبير عنه، فإنها غير مؤهلة لوصف الكمال. وهذا ما يفسر، في نظر دو فو، اقتصار قصائد هؤلاء الشعراء على عرض مآثر النبي محمد عليه الصلاة والسلام وإحصاء معجزاته، دون تناول شخصه بالذات. ولكن هل من وسيلة أخرى، يتساءل المترجم، طالما أنه يتعذر وصف الطبيعة البشرية إلا من خلال ملامحها البارزة وطالما أن ما يميز النبي محمدا في ضمير المسلمين هو تحديدا ذلك التناغم التام بين أفعاله والفضائل التي رفعها وروج لها؟

النقطة الأولى التي يتوقف عندها المترجم دو فو في مقدمته هي رصده شعورا بالحيرة والارتباك لدى جميع الشعراء الذين عالجوا هذا الموضوع، وهو شعور يرده المترجم إلى المرتبة التي يحتلها خاتم الأنبياء داخل الإسلام التي تجعل من أي محاولة لمدحه صلى الله عليه وسلم مهمة عاجزة، مهما بلغت درجة فصاحتها أو فنها
التوازن والكمال
ويقود هذا التساؤل دو فو إلى تحديد نجاح هؤلاء الشعراء في رهانهم انطلاقا من قدرتهم على منح قصيدتهم نوعا من التجانس والوحدة يعكس التوازن الذي يميز الكمال، كما هو الحال في قصائد الشاعر المصري البوصيري (١٢١١-١٢٩٤) أو في قصائد شعراء آخرين عبروا عن صور جديدة.

وبعد وقفة قصيرة عند المدح كموضوع رئيسي داخل الشعر العربي اقتات منه شعراء كثيرون منذ الجاهلية، يبين دو فو أن موضوع مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم تطور بعيدا عن بلاط الملوك والأمراء لعدم إمكانية الاتجار به، وأنه بالتالي لا فائدة من محاولة العثور على أثر له في قصائد أشهر الشعراء "الرسميين".

وفي حياته، تلقّى خاتم النبيين عليه السلام مديح أربعة شعراء هم: حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير الذي يعد أفضلهم وصاحب قصيدة "البردة" الشهيرة التي تحولت إلى نموذجٍ لشعراء كبار مثل البوصيري وأحمد شوقي. أما قصائد الشعراء الثلاثة الآخرين المدحية فتركزت أكثر على الإسلام وعقيدته وحماته.

ويلاحظ دو فو في هذا السياق مشاركة العديد من أعضاء عائلة النبي في مدحه، خصوصا بعد وفاته، فيستشهد برباعية تعود إلى ابنته فاطمة. بعد ذلك، يشير إلى تطور هذا النوع الشعري ببطء وفقا لتحولات الشعر العربي الذي كان يميل نحو تفنن وتنوع أكبر.

ولوصف الفضائل النبوية، يلاحظ المترجم نوعين من الصور يتكرران بشكل ثابت: النوع الأول يتعلق بالنور، والآخر بالبحر. وفعلا، نقع في غالبية القصائد على مقطع يؤكد مدى إشعاع النبي محمد -صلوات الله وسلامه عليه- المشبه بالشمس أو القمر ومدى كرمه المشبه بالبحر. ومن الصور الأخرى المتواترة داخل المدائح النبوية صورة العطر الموقظ للذاكرة والحنين التي استخدمت أولا بطريقة منهجية في مقدمة القصيدة قبل أن تنتقل إلى داخلها.

ولتبرير هذا التكرار، يذكر المترجم الفرنسي أن الرهان الشعري حتى العصر الحديث لم يكن يكمن في الأصالة بقدر كمونه في بحث عن الكمال داخل المواضيع الموجودة أصلا. ولا عيب في ذلك، في نظره، شرط توظيف الشاعر الصورة الكلاسيكية ببراعة يتجاوز فيها سابقيه.

وبعكس الشعر المدحي العربي الذي ظهر وتطور بشكل رئيسي داخل بلاط الملوك والأمراء، يشير دو فو إلى نمو المدح النبوي خصوصا في حضن الصوفية، كما لو أن تخصيبه تطلب حبا غير مادي ومجردا من كل شيء، حبا صوفيا. وهو ما يفسر لماذا معظم الشعراء الذين مارسوا هذا الشعر هم من المتصوفين. وقد مدوه بثلاث فضائل: الرؤية السامية والصراع الداخلي الملازم لأي مذهب صوفي وطبعا الحب.

ومع نهاية القرن التاسع عشر، يلاحظ دو فو تحول المدح النبوي في الشعر إلى ركيزة لإيقاظ الأمة الإسلامية من خلال العودة إلى المثال النبوي، ومناسبة للإجابة على اتهامات الغرب
إيقاظ الأمة
ومع نهاية القرن التاسع عشر، يلاحظ دو فو تحول المدح النبوي في الشعر إلى ركيزة لإيقاظ الأمة الإسلامية من خلال العودة إلى المثال النبوي، ومناسبة للإجابة على اتهامات الغرب.

وفي هذا السياق، يظهر كيف شكل تمجيد المبادئ الإسلامية والتذكير بالفضائل النبوية حبكة عدد كبير من القصائد الحديثة، وكيف استحضر الشعراء مجموعة قيم اجتماعية دعا إليها الإسلام وعلى رأسها المساواة بين البشر، كأحمد شوقي في قصيدة شهيرة غنتها أم كلثوم، أو الشاعر اليمني علي أحمد باكثير الذي تناول، في معرض رده على اتهامات الغرب، موضوع المرأة للتذكير بأن الإسلام منحها حقوقا قبل أي ديانة أو فلسفة أخرى، وموضوع العبودية ليبين أن الإسلام وإن لم يلغِ هذه الظاهرة فقد وضع شروطا تفضي حتما إلى ذلك، كدعوته إلى تحرير العبيد ومنحهم إمكانية شراء حريتهم.

وبعد إشارة سريعة إلى الشعراء المسيحيين الشرقيين الذين ساهموا في مدح النبي محمد عبر التغني بفضائله ومزاياه، كاللبنانيين خليل مطران ورشيد سليم الخوري والسوري وصفي القرنفلي، يستنتج المترجم داخل هذا النوع الشعري في العصر الحديث إعادة توظيف المواضيع القديمة داخل أسلوب جديد يميل نحو الحداثة دون أن يخضع كليا لها، كما لو أن استحضار النبي المصطفى شكل غالبا عامل حيرة قاد الشاعر إلى أفكار شاملة، على صورة شمولية الرسالة النبوية، كما يتجلى ذلك بقوة في بعض قصائد السوري بدوي الجبل، أو عامل تحرر ونشوة صوفية، كما في قصائد الشيخ مصطفى العلوي.

أهمية هذه الأنطولوجيا لا تكمن فقط في إلقائها ضوءا كاشفا على نوع شعري غير معروف على الإطلاق في الغرب من خلال نخبة جميلة من القصائد، بل أيضا في جهد دو فو الترجمي ومهارته في هذا الميدان اللذين سمحا له بإسقاط هذه القصائد داخل اللغة الفرنسية بشكل رائع وحيوي يحترم بدقة القافية والوزن الشعري، وإن تطلب ذلك أحيانا هامشا واسعا من التصرف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة