من إعزاز لحلب.. مسيرة النزوح والدمار   
الأربعاء 26/10/1433 هـ - الموافق 12/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:50 (مكة المكرمة)، 13:50 (غرينتش)
أكثر من 30 منزلا تحولت إلى أنقاض في غارة جوية واحدة على إعزاز (الجزيرة)
أحمد دعدوش-حلب

ما إن تجاوزنا معبر باب السلامة حتى بدا أننا على مشارف عالم مختلف، إذ تبدلت صورة المعالم السياحية والمزارع الخصبة في لواء الإسكندرون بجنوب تركيا لتتحول إلى مخيمات لجوء وطرق وعرة وبساتين جافة في شمال محافظة حلب، ولنفاجأ ببقايا أول دبابة مدمرة على بعد كيلومترين من الحدود، كمقدمة لآثار المعركة الحامية التي خسر فيها جيش النظام السوري بلدة إعزاز وكامل الشريط الحدودي.

وعند مدخل البلدة، لا تزال "مقبرة الدبابات" تستقطب صحفيي ومصوري العالم، إذ تقبع الدبابات المدمرة أمام ركام المسجد الكبير الذي أراد الأهالي أن يجعلوا منه رمزا لبلدتهم قبل أن يصبح رمزا لحرب طاحنة لا تزال تعصف بالبلاد.
 
قرى متهالكة
يشير مرشدنا إلى ثكنة عسكرية متفحمة كتب على جدرانها شعارات "الأسد أو نحرق البلد"، بينما تحمل جدران مجاورة شعارات الجيش السوري الحر الذي حوّل مواقع قوات النظام إلى ركام، ويقول إن الطريق الرئيسي لم يجرؤ أحد على عبوره قرابة العام بسبب عشرات القناصين الذين كانوا يتوزعون على مآذن المساجد لقتل كل من يعبره.

بيت مدمر في حي الحيدرية بحلب إثر قصف جوي (الجزيرة)
وبينما نستمع إلى أنشودة بصوت مرشدنا عن "مجزرة إعزاز"، يقودنا بسيارته إلى موقع رمزي آخر، حيث سقطت أربع قنابل -حسب ناشطين- لتحول عشرات المنازل إلى مقابر لأصحابها، في حين يحاول بعض الأهالي ترميم جدران المنازل المحيطة التي لم تدمر بالكامل.

وتبدو البلدة شبه خالية من السكان، حيث لا تزال قذائف المدفعية والطائرات تسقط بين حين وآخر لوجودها بالقرب من مطار منغ العسكري، وهو الموقع الوحيد في شمال حلب الذين لم يسقط بعد بأيدي الثوار، بينما تزدحم قرى أخرى على جانبي الطريق المؤدي إلى حلب بآلاف اللاجئين الذين فروا من نيران المعارك في المدينة.

وأينما التفّت بنا السيارة في الطرق الرئيسية أو الجانبية الوعرة، تقع أعيننا على الشعارات الثورية التي تملأ الجدران في كل قرية، وخصوصا على جدران المؤسسات الحكومية وواجهات المحلات المقفلة.

جبهة حلب
ومع وصولنا إلى مدينة حلب، تتبدى مظاهر السيطرة الكاملة للجيش الحر على مناطق واسعة، فالحواجز العسكرية تنتشر عند مداخل معظم الأحياء الشمالية والشرقية، بينما تلوح مظاهر الدمار في كل الأحياء التي خرجت عن سيطرة النظام.

ويتوجه بنا السائق إلى حي الحيدرية، حيث ما زال الأهالي يعملون بجد على إخراج أربعة مفقودين من تحت أنقاض أحد المباني بأيديهم المجردة.
يقول أحدهم إن طائرة مقاتلة أسقطت قنبلة على الحي مساء أمس، فاخترقت الطابق الأخير لبناء من ستة طوابق، ثم استقرت في بناء متواضع مكون من طابقين لتنفجر بعد دقائق، مضيفا وهو ينفخ دخان سيجارته "انتشلنا زوجة عمي وطفلتها، ولا نزال نبحث عن البقية".
 
الجيش الحر يساعد على إخراج الضحايا من تحت الأنقاض (الجزيرة)
وبينما يصرخ بنا الرجال المفجوعون مطالبين بتدخل العالم عبر وسائل الإعلام، تصل جرافة تحمل شعار لواء التوحيد لتسريع انتشال الضحايا، بينما يدوي أزيز طائرة أخرى، ويشير الجميع إليها وهي تهوي بسرعة فائقة لترمي حمولتها قبل أن تعاود الصعود.

وعلى الفور يصرخ أحد الشباب "لا تتجمهروا.. تفرقوا سريعا"، وبعد دقائق يتصاعد الدخان في حي الصاخور المجاور.

وعلى بعد أمتار قليلة، نرى عشرات الأهالي يصطفون أمام مخبز صغير، وهو المتجر الوحيد الذي يفتح أبوابه في الحي منذ نحو شهرين كما يقول البعض.

ويحدثنا شاب اسمه محمد طاهر عن إدراك الجميع لخطورة التجمع أمام المخابز التي باتت هدفا لطائرات النظام، لكن حاجة الناس لإطعام أطفالهم قد تدفعهم لهذه التضحية كل صباح.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة