بعد الطغاة.. يأتي دور الشعوب   
الاثنين 1433/12/21 هـ - الموافق 5/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:30 (مكة المكرمة)، 9:30 (غرينتش)
تعاضد الشعوب ومبادراتها أساس النهوض والتخلص من وطأة الحكم الشمولي المستبد (الألمانية)

قالت الكاتبة آن أبلبوم في مقال لها بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية إن للشعوب دورا حيويا في النهوض ومحو آثار القمع الذي تتسبب به الأنظمة القمعية، ويجب أن تكون هناك بنية تحتية تدعم النشاطات التي يقوم بها أفراد الشعب.

واستهلت الكاتبة مقالها باستذكار تجربة أوروبا وبالذات ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية واقتسام العاصمة برلين بين معسكر تابع للاتحاد السوفياتي السابق، ومعسكر تابع لقوى الحلفاء الأخرى الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.

وقالت إن الشبان الألمان في القسم الغربي الذي يتبع سياسة على النمط الغربي، استطاعوا أن ينظموا أنفسهم في منظمات مجتمع مدني لإزالة آثار الحرب، وخلال أسبوعين بلغ عددهم 600 فرد استطاعوا إزالة ركام الحرب من ملعبين وتأهيلهما ثانية، كما استطاعوا استحداث خمس دور للأيتام في بلد كان يعاني خُمس أطفاله من اليتم بسبب الحرب.

ثم تنتقل الكاتبة إلى الشطر الشرقي من ألمانيا الذي سيطر عليه نظام سياسي تابع للاتحاد السوفياتي، وقالت إن الشبان الألمان هناك أرادوا تنظيم منظمات مدنية لإزالة آثار الحرب، ولكن السلطات منعتهم ومنعت الكثير من نشاطات المجتمع المدني.

وطبقا لأرشيف تلك الحقبة، خضعت أعداد كبيرة من الناشطين المدنيين لإجراءات تعسفية، واستهدفت الطبقة الوسطى وكل من تحلى بصفات قيادية وقدرة على إنشاء مؤسسة أو جمعية ما، على حد قول الكاتبة التي ألفت كتاب "الستارة الحديدية.. تدمير أوروبا الشرقية بين عامي 1944 و1956".

ترى الكاتبة أن سبب صعود الإسلاميين الراديكاليين وحركات الإخوان المسلمين في الدول العربية في موسم الربيع العربي، هو تدمير السلطات السابقة للقوى التي كان يمكن أن تنافسها في الشارع
وترى الكاتبة أن نموذج "الحكم الشمولي" أصبح منتشرا في كثير من بقاع العالم، وهي أنظمة سعت إلى فرض سيطرتها الكاملة على بلدانها، ووضعت قيودا تكبل أنشطة الحياة العامة.

وقالت إن هذا النموذج لم يحقق النجاح في أوروبا الشرقية التي كانت منضوية تحت راية الاتحاد السوفياتي، كما لم تحقق نجاحا كبيرا في الدول الآسيوية التي اتبعته، ولا في الدول العربية كما أثبت لنا مؤخرا مسرح الأحداث. إلا أن تطبيق النظام الشمولي أحدث ضررا كبيرا في البلدان التي رزحت تحت نيره.

ثم استعرضت المخاض الذي مرت به دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، حيث شهدت انتفاضات وثورات للتخلص من الحكام الشموليين الذين حافظوا على بلدانهم رهينة للسوفيات.

ورغم أن البلدان العربية لا تتشارك مع دول أوروبا الشرقية في الكثير، فإن هذين العالمين يتشاركان -دون شك- المعاناة من سلطة حكام شموليين قمعوا أو حاولوا قمع العمل المدني والمنظمات المستقلة.

ورأت أبلبوم أن السبب الوحيد لصعود الإسلاميين الراديكاليين وحركات الإخوان المسلمين في الدول العربية في موسم الربيع العربي، هو تدمير السلطات السابقة للقوى التي كان يمكن أن تنافسها في الشارع. وقالت إن سبب صمود الحركات الإسلامية من الدمار الذي استهدف الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، أنهم مدفوعون بإيمان ديني ويتمتعون بعلاقات وتمويل عبر الحدود، وهذا ما ساعدهم لأن يكونوا منظمين بل ومن أكثر الحركات تنظيما في بعض الأماكن.

ثم طرحت الكاتبة التساؤل الذي تقول إنه يدور في خلد الكثيرين، وهو عن رؤية الإسلاميين للحكم، وهل سيتبعون نفس الطرق التي استخدمها من قمعهم في السابق أم سينفتحون على الآخرين؟ وأشارت إلى نموذج الإخوان في مصر، وقالت إن الجماعة يتنازعها تياران أحدهما يدعو إلى تكريس السلطة والثاني يدعو إلى التنوع في داخل الجماعة وعلى مستوى البلاد.

ثم تعود أبلبوم إلى ذكر التنظيمات الشبابية التي انتشرت في ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، وتقول إنها رأت خلال زيارتها إلى ليبيا ما ذكرها بها، وهي مجموعة تطلق على نفسها "تنظيف طرابلس" وتضم متطوعين ينظفون شوارع المدينة وينسقون جهودهم مع السلطات.

واعتبرت أن مثل هذه النشاطات ستساعد ليبيا على بناء ثقافة سياسية ديمقراطية يشارك فيها المواطن في عملية صنع القرار، لكنها أقرّت أن هذا الهدف يستلزم بنية تحتية معقدة تضم قوانين محكمة ومؤسسات غير ربحية وتنظيم التبرعات الخيرية وإعلاما حرا ومهنيا قادرا على رصد تلك النشاطات، وأخيرا حكومة قادرة على التفاعل مع الشعب.

وأهابت الكاتبة بالمؤسسات الحكومية والخاصة تقديمَ المساعدات المادية للنشاطات الليبية المشابهة لمجموعة "تنظيف طرابلس"، وناشدت المؤسسات غير الحكومية والقانونية تقديم النصح، وطلبت من المسؤولين والناشطين الذين يعيشون في بلدان عانت من ظروف مشابهة لظروف ليبيا، مشاركة تجاربهم مع الليبيين كما يفعل التشيك والبولنديون مع التونسيين والمصريين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة