مسجد علي البكاء.. إرث قوقازي استقر بالخليل   
الأحد 1436/11/30 هـ - الموافق 13/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 22:42 (مكة المكرمة)، 19:42 (غرينتش)

عوض الرجوب-الخليل

على خط التماس بين الجزء الخاضع نظريا لسيطرة السلطة الفلسطينية، والآخر الخاضع لسلطة إسرائيل بالكامل، يقع مسجد الشيخ علي البكاء المشيد منذ ما يزيد على سبعة قرون.

ويقول باحثون في التاريخ والحضارة الإسلامية إن المسجد أجريت عليه تعديلات على مرّ العصور، وبدأ بزاوية علمية للشيخ البكاء الذي قدم من القوقاز إلى مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وتزوج من فاطمة الجعبري ابنة إحدى العائلات الكبيرة في المدينة.

ويقول مختصون إن المراجع التاريخية تحدثت عن عالِم خاشع كثير البكاء استقر في زاوية قريبا من مسجد خليل الله إبراهيم، ثم تحولت الزاوية إلى مسجد، ثم إلى مركز للعلم الشرعي وتقديم الخدمات الإغاثية والطبية المجانية في عصرنا الحاضر.

باستثناء المئذنة التي لا يزيد طولها على خمسة عشر مترا، فإن باقي مرافق المسجد بما فيها المصلى حديثة نسبيا، حيث جرى في سبعينيات القرن الماضي هدم البناء القديم وإعادة بنائه من جديد، فضلا عن إضافة مرافق لأقسام المسجد الأخرى.

وكان للمسجد -الذي يقع في حارة الشيخ في الجهة الشمالية الغربية للمسجد الإبراهيمي- نصيبه من اعتداءات الاحتلال خلال انتفاضة الأقصى حيث تعرض للقصف الشديد من نقاط عسكرية إسرائيلية خلال الاشتباكات مع الاحتلال.

مسجد الشيخ علي البكاء يضم عيادة طبية ومؤسسات دينية (الجزيرة نت)

ويحيط بالمسجد البكّاء بالخليل من الناحية الجنوبية الشرقية عدد من المباني تعود للعهد العثماني، في حين تحيط به من باقي الجهات شوارع ومبان حديثة.

وبحروف محفورة في الرخام، دونت آيات من القرآن الكريم وأدعية على قاعدة المئذنة، بينما في لوحة محاذية دونت على الرخام معلومات إنشاء المئذنة ومن أمر بإنشائها مع أوصاف التبجيل والتعظيم للملك المملوكي الذي بناها.

ويقول عضو الهيئة الإسلامية العليا في القدس الشيخ محمد ذياب أبو صالح إن المصادر التاريخية تحدثت عن رجل كان يرتاد مجلسه طلبة العلم الشرعي من القرآن الكريم والسنة النبوية، استقر وتوفي ودفن في المكان ذاته.

ويضيف أن الملك المملوكي حسام الدين طرنطاي أمر بتشييد بناء فوق قبري البكاء وزوجته مع تدوين اسميهما، كما أمر ببناء المئذنة والمسجد، وبقي الوضع كذلك حتى سبعينيات القرن الماضي حيث تم هدم البناء القديم وإعادة بنائه باستثناء المئذنة التي بقيت على حالها.

وأشار إلى أن المسجد التابع لوزارة الأوقاف لا يقتصر دوره اليوم على العبادة، بل يضم لجنة زكاة الخليل ودارا للقرآن الكريم وأخرى للحديث الشريف ومركزا طبيا يقوم عليها أكثر من سبعين موظفا.

الأوقاف الفلسطينية أعادت بناء المسجد في سبعينيات القرن الماضي (الجزيرة نت)

ويوضح أن قبري علي البكاء وزوجته يقعان خلف المسجد الذي تقام فيه الصلاة، موضحا أن المنطقة مرت في تلك العصور والقرون التالية بحالة فوضى وفساد، وكان العُباد قلة وأحيانا يهجرون المدن إلى الخلاء حتى الوفاة ثم تقام على قبورهم مزارات.

من جهته، يقول إمام وخطيب المسجد الشيخ أكرم أبو اسنينة إن للمسجد أهمية تاريخية ذكرها الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام" وابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" وغيرهما.

وقال إن بناء المسجد مر بمراحل عدة في عهد المماليك، أبرزها المئذنة التي كانت مزدوجة الاستخدام، فهي من ناحية منارة لرفع الأذان ومن ناحية أخرى منصة للرماة لحماية مدينة الخليل من الغزاة من الجهة الشمالية.

وبيّن في حديث للجزيرة نت أن المئذنة بواقعها الحالي بنيت عام 702 للهجرة، وأن ما يميز المسجد اليوم كثرة الخدمات المقدمة فيه، وبينها لجنة الزكاة بعياداتها وأطبائها ومكتبة تحتوي أهم الكتب في التاريخ الإسلامي وأكثر من 700 ألف كتاب إلكتروني لفائدة طلاب العلم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة