دولاكروا وفجر الاستشراق بمعرض فرنسي   
الاثنين 29/11/1433 هـ - الموافق 15/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:18 (مكة المكرمة)، 9:18 (غرينتش)
لوحة أوراس فيرنيه تصور عربا يستمعون إلى قصة في مخيمهم (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-شانتيي

افتتح في متحف كونديه بمدينة شانتيي الفرنسية معرض تحت عنوان "دولاكروا وفجر الاستشراق", يضم عشرات اللوحات والرسوم التي تسعى لاستكشاف مرحلة ولادة التيار الاستشراقي في فرنسا والذي ظهر في بداية القرن التاسع عشر.

ويتوقف المعرض عند حملة بونابرت على مصر عام ١٧٩٨، والتي ضمّت -إلى جانب أربعين ألف جندي- ١٦٧ عالماً ورساماً، أبرزهم مدير جمعية المتاحف الفرنسية الفنان فينسان دونون الذي رسم معالم فرعونية كثيرة أثناء هذه الرحلة، وخطّ كتابه الشهير "سفر في مصر العليا والسفلى" الذي جدد كلياً نظرة الأوروبيين لمصر.

وبفضل اكتشافات ورسوم دونون ورفاقه، شهدت العلوم والفنون تقدّماً ملحوظاً كان أبرز محطاته تمكن شامبوليون من فك لغز اللغة الهيروغليفية وانطلاق التيار الرومنطيقي.

وبعد سقوط بونابرت وعودة الملكية إلى فرنسا (١٨١٤ـ1830)، لم تتوقف البعثات العلمية إلى الشرق، بل ازدادت وتيرتها بشكلٍ أصبح فيه هذا الشرق نقطة جاذبية لفنانين كثر، مثل لويس دوفوربان الذي نشاهد له في المعرض لوحة "القدس"، وبيار بريفوست الذي نشاهد له لوحة "مشهد شامل لإسطنبول من برج غلَطة". ولكن يجب انتظار سفر دولاكروا إلى المغرب عام ١٨٣٢ كي يتحول اهتمام الفنانين الرومنطيقيين بشرقنا إلى شغفٍ حقيقي.

تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا العملاق أنجز مجموعة أعمال استشراقية قبل وصوله إلى المغرب، كلوحة "شاب تركي يلامس حصانه" (١٨٢٥) و"بورتريه بول بارواليه بلباس تركي" (١٨٢٥)، إلى جانب رسوم مائية لوجوه وملابس شرقية.

ولدى وصول سفينته أمام مرفأ طنجة، كتب دولاكروا في أحد دفاتره "شكل هذه المدينة أثار فيّ شعوراً كبيراً بالفرح.. خلتُ نفسي أنني أحلم". وكتب إلى أحد أصدقائه "وجودي بين هؤلاء الناس جعلني أشعر بالحاجة إلى عشرين يد وإلى 48 ساعة في اليوم كي أعطي فكرة عما أراه". وحول أسواق طنجة الشعبية، قال "إنه مكانٌ مثالي للفنانين.. الجمال متوفّر بغزارة.. نظنّ أنفسنا في روما أو أثينا، ولكن بدون النعومة الأتيكية".

وأكثر ما استوقف دولاكروا في المغرب هو المدارس القرآنية وحفلات الأعراس والأزياء والآلات الموسيقية. ومن المغرب عاد بسبعة دفاتر سفر وآلاف الرسوم الإعدادية التي شكّلت مصدر وحي له حتى نهاية حياته. ومن اللوحات الشهيرة التي أنجزها انطلاقاً من هذه الرسوم وتشاهد في المعرض، "نساء من الجزائر داخل منزلهن" (١٨٤٩)، و"قائد مغربي" (١٨٣٨)، و"حارس مغربي للإمبراطور" (١٨٤٥)، و"خطيبة أبيدوس" (١٨٤٣).

ولكن رائد الاستشراق آنذاك والفنان الذي ولع به النقّاد وهواة الفن لم يكن دولاكروا، بل ألكسندر غابريال دوكان (١٨٠٣ـ1860) الذي أنجز بدوره لوحات استشراقية قبل ذهابه إلى الشرق، كلوحة "حارس الوزير" (١٨٢٧) الحاضرة في المعرض. ومع أنه لم يمض سوى عامٍ واحدٍ في شرقنا، إلا أنه استثمر طوال حياته الرسوم الإعدادية التي حقّقها خلال تلك الرحلة التي قادته إلى اليونان عام ١٨٢٨، فمدينة إسطنبول ثم مدينة أزمير في تركيا.

لوحة بروسبير ماريلا
"مسافرون عرب سوريون"
(الجزيرة نت)

ولدى عودته إلى فرنسا، اشتهر اسمه على أثر عرضه لوحات ذات مواضيع تركية وأخرى تتألف من مشاهد توراتية، كلوحة "أليعازر وريبيكا". ولا شك أن أسلوبه الشخصي الذي يتميز بعجينة سميكة وبتضارب حاد بين النور والعتمة، هو الذي قاد النقّاد إلى اعتباره رائد المدرسة الاستشراقية الجديدة. أما مصدر وحيه فكان الحياة اليومية التركية التي رسمها بمفاعيل مادية بارزة، والجماهير الغفيرة في الأسواق والشوارع التي أسقطها بألوانٍ نيّرة.

ومن الشعراء والأدباء الذين تغنّوا بلوحات دوكان: بروسبير ميريميه، وماكسيم دوكان، وشارل بودلير، وتيوفيل غوتيي الذي كتب حوله "جان جاك روسو اكتشف الطبيعة في القرن الثامن عشر، وفي القرن التاسع عشر اكتشف دوكان الشرق".

أما الرسام بروسبير ماريلا (١٨١١ـ١٨٤٧) الحاضر أيضاً في المعرض بعددٍ من اللوحات، فرحل إلى الشرق عام ١٨٣١ وأمضى عامَين بين اليونان وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر. وشغفه بأرض مصر وناسها ومعالمها الأثرية دفعه إلى توقيع رسائله "ماريلا المصري".

وفي هذا البلد، أنجز بورتريهات على الطلب لأسباب مادية مثل بورتريه محمد علي، ورسوم ولوحات بدافع الدراسة والعلم مثل لوحة "مسافرون عرب سوريون". ودفعت شهرته الواسعة في فرنسا بعض الرسامين إلى نسخ بعض لوحاته، خصوصاً بعد وفاته المبكرة.

وفي الجزء الأخير من المعرض نشاهد اللوحات والرسوم المرصودة للجزائر والتي تبدو بمعظمها مرتبطة بالحملة الفرنسية على هذا البلد. ومن هذه الأعمال، تلك التي أنجزها رسامو الجيش وتتميز بواقعية ودقة شديدة، كمائيات أدريان دوزا، أو رسوم تيودور يونغ وغاسبر غوبو اللذين جهدا في إعادة تشكيل الأحداث التاريخية والمراحل الأساسية من احتلال الجزائر.

لكن رسام الحملة الفرنسية على الجزائر بامتياز يبقى أوراس فيرنيه الذي رسم لوحة "احتلال مدينة الزمالة على يد الدوق دومال" العملاقة التي تظهر فيها جوانب مثيرة من حياة البدو، كما رسم لوحة "عرب يستمعون إلى قصة في مخيّمهم" الحاضرة في المعرض.

ولا يهمل المعرض الفنانين الذين صوروا هذه الحملة من فرنسا، وأبرزهم أوغست رافّي الحاضر في المعرض بألبومَين من الرسوم المنجزة انطلاقاً من شهادات بعض الضبّاط ومن رسوم وضعها رسّامو الجيش المشاركون في الحملة.

ويمكن أن ينتقد معظم هؤلاء الفنانين لرسمهم غالباً انطلاقاً من استيهاماتهم الشخصية. ولكن هذه الاستيهامات إن دلّت على شيء فعلى ولعٍ حقيقي وبريء بالشرق، ولع كانت له نتائج تشكيلية وجمالية في غاية الأهمية، كانبثاق وتطوّر التيارَين الرومنطيقي والرمزي في أوروبا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة