علي الدوعاجي أبو القصة في تونس   
الثلاثاء 20/9/1433 هـ - الموافق 7/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 5:47 (مكة المكرمة)، 2:47 (غرينتش)
علي الدوعاجي أنتج كما كبيرا من المؤلفات في كل فنون الكتابة (الجزيرة)

كمال الرياحي-تونس

تمثل الثلاثينيات الفترة الذهبية للأدب التونسي، رغم قساوة تلك السنوات على المجتمع بفعل الأزمة الاقتصادية ومضاعفة الحكومة الفرنسية من قمعها للشعب الذي بدأ يصعد من مطالبه التحررية, ويمثل علي الدوعاجي أحد كبار نجوم الأدب في تلك الفترة التي شكلت محور اهتمام التونسيين في السهرات الرمضانية في قاعات السينما ومجالس الأدب ومسارح الطرب، فقدمت حوله سهرة سينمائية بعنوان" الدوعاجي في السينما" وقدمت الأفلام المقتبسة من أدبه، وسهرة ثانية حول أدب الثلاثينيات وزعيمها علي الدوعاجي، كما قدمت فرقة "وجد" الشابة أعماله المغناة.

النشأة والمنجز
ينحدر علي الدوعاجي المولود بتونس سنة 1909 من عائلة برجوازية ذات أصول تركية وصلت تونس العاصمة سنة 1575 للميلاد، ولم يعش الكاتب أكثر من أربعين سنة حيث توفي سنة 1949, وفي هذه السنوات أنتج كما كبيرا من المؤلفات في كل فنون الكتابة تقريبا من الشعر إلى القصة والمسرح إلى المذكرات والمقالات, ولم يقع تجميع ذلك الكم الهائل من الإنتاج إلا منذ سنة واحدة وتفاجأت الساحة الثقافية بهذا الزخم الكبير من الإبداع.

الأعمال الكاملة لعلي الدوعاجي (الجزيرة)

ونشأ الدوعاجي -الذي عرف بتونس والمشرق بكتابه "جولة بين حانات البحر المتوسط"- يتيم الأب، ربته والدته تربية لطيفة سمتها الدلال، فترك المدرسة العرفانية دون أن يتحصل على الشهادة الابتدائية، وانطلق ينحت كيانه وينسج ذاته بمطالعة آثار كبار الكتاب العرب والأجانب وهو يعمل في متجر نسيج.

فكان الانفتاح على الثقافات الفرنسية والإنجليزية والعربية القديمة, حيث كان يقرأ لنيتشه ولعمر الخيام ولشكسبير وللجاحظ ولطاغور وللمعري, فمكنته هذه الثقافة العالمية من اكتشاف طريق خاص في الكتابة جعلته يتصدر عرش الأدب التونسي.

وفي الواقع يعد تاريخ الأدب التونسي مدينا للناقد التونسي توفيق بكار الذي يقول عن أبوة الدوعاجي "هو أبو القصة التونسية غير مدافع, وأعتقد أنه ما من باحث تحرى في بحثه وتثبت إلا وهو مسلم للدوعاجي بهذه الأبوة".

أما الناقد محمد فريد غازي فذهب إلى أن علي الدوعاجي كان أفضل كاتب قصة قصيرة في العالم العربي, وعده في مرتبة جون دوس باسوس وجاك لندن ومارل بروست.

البوهيمي والهامشي
هذا الكاتب الذي نشأ دون عناية بسبب يتمه المبكر وتركه للدراسة مبكرا, قبل أن يترك الحياة كلها مبكرا، كان وراء تأسيس أهم جماعة أدبية في تاريخ تونس وهي "جماعة تحت السور" التي ضمت كبار الكتاب وقتها والفنانين والموسيقيين والمسرحيين.

فتحت سور أحد المقاهي الشعبية بربض باب سويقة -الحي الشعبي بالعاصمة- نشأت النصوص المؤسسة للقصة التونسية بأقلام كتاب متمردين يقولون المختلف ويحاربون الجهل والتزمت بكل ضراوة, فتصدوا للحياة بأجسادهم حتى أهلكوها جميعا، إذ أغلبهم مات دون سن الأربعين.

الناقد التونسي توفيق بكار (الجزيرة)

ورغم انتماء أغلبهم إلى طريق البوهيمية في الحياة كانوا أهم نخبة وطنية عرفتها تونس في ظل أزمة اقتصادية واستعمار قاس أذاقهم صنوف القمع, فيقول الناقد المتخصص في هذه الفترة توفيق بكار في تقديمه للدوعاجي "عقدوا في الفكر والعمل بين الدين والدنيا، والله والوطن، والروحي والعقلي، والجهاد والنضال...إن عهدهم دون مراء لعهد الانشقاق البناء، تمخضت فيه البيئة العتيقة عن نواة أمة حديثة، كانوا طلائعها من النخب...، وإن يكن لنا اليوم استقلال ودولة ومجتمع مدني نام فإن أصولها جميعا لثمة".

الدوعاجي والسينما
ولم تكن تلك الإشارة لمحمد فريد غازي في مقارنة الدوعاجي بدوس باسوس مجاملة, بل لأن أعمال الدوعاجي كانت بالفعل تستند إلى ثقافة بصرية تؤهلها لأن تكون نصوصا لأعمال سينمائية، وهو ما انتبه إليه السينمائيون التونسيون بعد سنوات وتحديدا في سبعينيات القرن الماضي, ومنهم المخرج حمودة بن حليمة في فيلم "الفانوس المظلم", والمخرج فريد بوغدير في فيلم "نزهة", وتواصل الاهتمام بهذا المنجز حتى مع السينمائيين التونسيين الجدد، وآخر ما قدمت السينما التونسية من أعمال الدوعاجي فيلم المخرج مراد بالشيخ "راعي النجوم".

وتعد هذه الأعمال جميعها مستلهمة أو مقتبسة من قصص الدوعاجي "في بلاد الطررني"، وقد تنوعت المقاربات لهذه النصوص بين أجيال السينمائيين وانتماءاتهم الأيديولوجية والفنية, فأثمرت أعمالا رائعة أغنت المكتبة السينمائية التونسية بأفلام خالدة، بعضها يمثل دروسا في الاقتباس الفني من الأدب كفيلم حمودة بن حليمة, والآخر درسا في التخلص من سطوة النص واستنطاق أعماقه ومقاربته مقاربة تشكيلية كما هو الحال مع فيلم مراد بالشيخ, إلى جانب تلك المقاربات السينمائية المسرحية لأعمال توفيق الجبالي والفاضل الجزيري وغيرهما.

بقي أن نشير إلى أن علي الدوعاجي يظل وبقية عناصر "جماعة تحت السور" الأدبية والفنية موضوعا بكرا للباحثين, إذ رغم كثرة الحديث حول الجماعة فإن أدبهم ظل مجهولا ومغيبا لأسباب كثيرة في العهدين السابقين، ولكن الخطر الذي أصبح يهدده اليوم يمثل أكبر الأزمات التي سيعيشها وقد تهدد بنسفه، خاصة أن الكثير من آثار هذه الجماعة لم يجمع, ولم تنج منها إلا أعمال أبو القاسم الشابي والبشير خريف ومحمود المسعدي وعلي الدوعاجي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة