أميركا لا تتعلم من أخطائها   
الأربعاء 27/8/1422 هـ - الموافق 14/11/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


مراسل الجزيرة نت - أبوظبي

التطورات السريعة في مجريات الحرب في أفغانستان دفعت الصحف الإماراتية الصادرة اليوم لمتابعتها بالتحليل والحوار الموسع، لمعرفة أخطاء الإدارة الأميركية في الماضي وأسلوبها في إدارة الأزمة الحالية, حيث أكد محللون أميركيون أن واشنطن لا تتعلم من أخطائها.

المشكلة الحقيقية
في الملحق الأسبوعي "بيان الأربعاء" الذي تصدره صحيفة البيان ويغلب عليه الطابع السياسي أجرى مراسلها في واشنطن عدة حوارات مع خبراء ومحللين أميركيين من بينهم جون كيرمان مدير مجلس أبحاث علوم المجتمعات في واشنطن، والجنرال مايكل فيكرز القائد السابق لوحدات الباريهات الخضراء التابعة للقوات الخاصة الأميركية، والذي عمل أيضا في وكالة المخابرات المركزية، وجون بايك قائد عسكري سابق يدير حاليا مركز (جلوبال سيكيوريتي) للدراسات الإستراتيجية في واشنطن.


ليس ثمة تمثيل سياسي للباشتون غير طالبان بعد أن قضت الحركة على كل المنظمات الأخرى، فيما تكفلت بعض هذه المنظمات بقتل نفسها حين تصرفت على نحو استفز الباشتون وغيرهم

جون بايك

يقول جون بايك: المسألة الحقيقية ليست هي الشمال أو الغرب، إنها الجنوب والشرق، في الجنوب هناك تواجد بالغ القوة لطالبان وكثافة باشتونية عالية، فضلاً عن ذلك فإن هناك امتدادات لقبائل الباشتون الأفغانية في باكستان، وليس بوسع الجنرال مشرف أن يمنع تدفق الرجال والأسلحة والوقود من الأراضي الباكستانية إلى أفغانستان عبر ممرات التهريب المعتادة التي سلكتها هذه القبائل على مدار القرون.

أما في الشرق فإن هناك سلاسل الجبال ذات التضاريس بالغة الصعوبة. وليس من السهل بحال تعقب من يلجؤون إلى الجبال الشرقية بسهولة ومن المتوقع أن يلجأ إليها مقاتلو طالبان وأعضاء القاعدة في حالة سقوط قندهار، رغم أن سقوط قندهار نفسه محل تساؤلات كثيرة.

دخول قوات التحالف الشمالي إلى كابل يعني آلياً نقل كل الباشتون إلى أرضية طالبان.. لقد بلغ الطموح بالبعض في واشنطن إلى حد تصور قيام باشتون الجنوب بانتفاضة ضد طالبان، ولم يحدث! فهل نتوقع أن يحدث فك للارتباط بين الباشتون وحركة طالبان إذا ما استولى تحالف الشمال على كابل؟ أعتقد أن ذلك يعد من قبيل الأحلام غير القابلة للتحقيق، ومستحيل تقريباً، ذلك أن الباشتون لن يقبلوا بسقوط كابل في أيدي الطاجيك والأوزبك والهزارة.

وواقع الحال أنه ليس ثمة تمثيل سياسي للباشتون غير طالبان بعد أن قضت الحركة على كل المنظمات الأخرى، فيما تكفلت بعض هذه المنظمات نفسها بقتل نفسها حين تصرفت على نحو استفز الباشتون وغيرهم. والحديث عن مجلس اللويا جيركا (الذي يضم قادة القبائل والأعيان والوجهاء) هو حديث طيب، ولكن المشكلة ستكون دائما أن الشارع الباشتوني سيعامل أي بديل لطالبان باعتباره بديلاً مزيفاً صنعه الأميركيون لا يمثل الباشتون حقاً، بل قد يعتبرونه أداة في يد أعداء الباشتون.

التخبط سياسي لا عسكري


"
ليس بوسع الولايات المتحدة الاعتماد على قوات تحالف الشمال المعارض لطالبان لأن هذا التحالف أضعف كثيراً مما ادعى ومما تصوره الأميركيون في البداية، ولأن الإطاحة بطالبان عبر غزو "شمالي" أرضي لكابل سيؤدي بالضرورة إلى تمسك التحالف الشمالي بحق تشكيل الحكومة الجديدة في أفغانستان

الجنرال مايكل فيكرز

ويقول الجنرال مايكل فيكرز: "لا أشارك الرأي من يقولون إن العمليات العسكرية في أفغانستان تتخبط، فهذا التقييم ينم عن عدم فهم للطريقة التي يعمل بها البنتاغون، إذ لم يكن من الحكمة مثلاً قصف دفاعات طالبان حول كابل في المراحل الأولى من الحرب، بل لم يكن من الحكمة قصف هذه الدفاعات حول مزار شريف خلال الأيام الأولى.

ويرجع السبب إلى أن مراحل العمليات العسكرية الأولى لم تكن تترافق مع وجود خطة سياسية معدة ومتفق عليها حول من سيخلف طالبان، ولما كان من الصعب تأجيل العمليات العسكرية إلى ما بعد الانتهاء من وضع هذه الخطة، فقد بدأنا بتهديد هدف كان لابد من تحقيقه على أي حال، في حالة وجود خطة سياسية أو في حالة عدم وجودها، ذلك هو تدمير الدفاعات الجوية لطالبان.

بعد انتهاء مرحلة تدمير الدفاعات الجوية تحركت القوات الأميركية لقصف بقية مكونات القائمة التي نسميها الأهداف الثابتة، أي المنشآت العسكرية ومخازن المعدات والذخائر والمباني الحكومية والمطارات، وخلال ذلك كله كان العمل على المستوى السياسي يمضي في مسارين، استكمال المفاوضات بشأن وضع سيناريو محدد ومتفق عليه من قبل جيران أفغانستان حول مستقبل هذا البلد في مرحلة ما بعد طالبان، وتدعيم الجبهة الدولية المضادة للإرهاب.

انتقلت القوات الأميركية بعد ذلك إلى إنجاز خطوتين متلاحقتين، الأولى هي قصف دفاعات طالبان حول كابل ومزار شريف، وكان ذلك إشارة إلى أن هناك اتفاقاً سياسياً قد تم إنجازه بالفعل، وأن واشنطن رفعت حظرها عن فتح الطرق أمام قوات المعارضة الشمالية للوصول إلى تخوم المدينتين.

الخطوة الثانية كانت قصف الأهداف المتحركة، أي منصات إطلاق الكاتيوشا والدبابات والمدرعات وتجمعات قوات طالبان، ولكن ليس بوسع الولايات المتحدة الاعتماد على قوات تحالف الشمال المعارض لطالبان لسببين عسكري وسياسي، يرجع الأول إلى أن قوات تحالف الشمال أضعف كثيراً مما ادعت ومما تصوره الأميركيون في البداية، وأما السبب السياسي فيتلخص في أن الإطاحة بطالبان عبر غزو "شمالي" أرضي لكابل سيؤدي بالضرورة إلى تمسك التحالف الشمالي بحق تشكيل الحكومة الجديدة في أفغانستان وهو أمر لا ترحب به واشنطن لأنه لا يناسب أوضاع أفغانستان الداخلية ولا علاقات أفغانستان مستقبلاً بجيرانها.

عزل الحاضر عن الماضي
يقول جون كيرمان: ما يحدث حالياً هو محاولة لعزل الحاضر عن الماضي، وكأن بالإمكان فهم المشاعر السائدة في الشرق الأوسط بمعزل عما حدث عام 1948 وعام 1967، أو كأن بوسع أي محلل استيعاب ما حدث في 11 سبتمبر دون العودة إلى ما حدث بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان في 1979.

علينا مثلاً أن نتذكر فصولاً بأكملها من تاريخ هذه الأخطاء لم تنشر بصورة كافية، ومن ثم لم تعرف على نطاق واسع، أسفرت عن مشاعر عميقة بالكراهية تجاه الولايات المتحدة وسياساتها، فكل إستراتيجية "جديدة" طبقتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وجنوبي آسيا أدت إلى ردود أفعال غير متوقعة، ومن ثم كوارث سياسية انتهت عادة بالحرب.

لقد تمكنت المخابرات المركزية الأميركية عبر سلسلة عمليات من إسقاط مصدق الذي كان وطنياً لا يتسم بميول دينية متطرفة، وبذلك تم تقويض الكثير من أركان التيار الوطني في إيران. واعتبرت واشنطن ولندن ذلك انتصاراً، ولكنهم لم يروا أن ذلك يترك الميدان للتيارات الدينية وحدها، وما لبث ذلك أن أدى إلى قيادة التيار الديني للشعب الإيراني نحو تحقيق هدف أكثر جذرية مما كان يطالب به مصدق نفسه.

هناك أمر آخر يجب أيضاً تصحيحه من الوجهة التاريخية، إذ لا يعرف كثيرون مثلاً أن الولايات المتحدة استدرجت موسكو ـ على نحو متعمد ـ لغزو أفغانستان دون أن تحفل كثيراً بالضحايا المدنيين الذين سيقعون من جراء ذلك الغزو والذين بلغ عددهم ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين.


في أفغانستان بدأت المخابرات المركزية بفتح قنوات واسعة مع الجماعات الدينية المتطرفة في قبل الغزو السوفياتي، والتي نشأت في السبعينيات على نحو جنيني، بدعم أميركي وغير أميركي، وبدأ هذا الدعم في أبريل 1978، أي قبل أكثر من عام ونصف العام من الغزو الروسي". ”

جون كيرمان

لقد أطلقت واشنطن عن عمد موجة من المعلومات الخاطئة لقنتها لعملاء موسكو في الولايات المتحدة ممن كانوا معروفين للمخابرات المركزية، كما لقنتها لهؤلاء العملاء في عدد من العواصم الأوروبية وخصوصاً برلين، تفيد هذه المعلومات بأن الولايات المتحدة تنوي غزو إيران، وأردفت واشنطن ذلك بإرسال قطع بحرية كثيرة إلى مواقع قريبة من السواحل الإيرانية، مما أقنع موسكو بأن واشنطن تنوي بالفعل القيام بعمل عسكري واسع النطاق في إيران. وهكذا قررت موسكو أن تغزو أفغانستان تحسباً للغزو الأميركي ـ الذي لم يحدث ـ لإيران.

كانت المخابرات المركزية تريد توريط السوفيات بعد أن اطمأنت إلى وجود منظمات أفغانية متطرفة قادرة على تكبيد الروس خسائر كبيرة وعلى جعلهم ينزفون في أفغانستان كما نزف الأميركيون في فيتنام. وتوقعت واشنطن أن يؤدي تورط موسكو في أفغانستان إلى تقلبات داخلية في الاتحاد السوفياتي، وإلى عزل السياسة السوفياتية في كل العالم الإسلامي، كان ذلك بالفعل عملاً بالغ الذكاء ولكن على المدى القصير فحسب، حيث أن الأميركيين نسوا أن لذلك ثمناً على المدى الأبعد. لقد أداروا الأزمة بنجاح، ولكنهم لم يحلوها.

وهم يقولون الآن إن أسامة بن لادن يرتكز في الأساس على متطرفين مصريين يقودهم زعيم منظمة الجهاد الإسلامي أيمن الظواهري، وواقع الحال إن منظمة الجهاد الإسلامي المصرية وزميلتها الجماعة الإسلامية قد تشكلا بموافقة ودعم الرئيس أنور السادات وبموافقة من المخابرات المركزية الأميركية، وذلك لمواجهة الناصريين والشيوعيين وقوى اليسار في مصر عموماً خلال السبعينيات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة