نذر العودة للاقتتال تلوح بالإقليم الأزوادي في مالي   
الثلاثاء 1427/5/3 هـ - الموافق 30/5/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:18 (مكة المكرمة)، 9:18 (غرينتش)

سكان من كيدال يفرون بعد هجوم فغاغا على المدينة (الفرنسية-أرشيف)

أمين محمدنواكشوط

أعاد الهجوم الذي قاده المتمرد الأزوادي الضابط السابق في الجيش المالي العقيد حسن فغاغا يوم 23 من مايو/ أيار الجاري على مدينة كيدال في الشمال المالي إلى الأذهان تاريخا طويلا من الاقتتال المسلح بين حكومة مالي والمقاتلين الأزواديين الذين يتهمون الحكومة المالية بتهميشهم وممارسة كل أساليب التضييق والحصار الإعلامي والاقتصادي والثقافي عليهم.

هجوم المتمرد حسن فغاغا على منطقة كيدال واستيلاؤه على قاعدتين عسكريتين فيها هو الأول من نوعه بعد توقيع اتفاقية سلام بين الأزواديين والحكومة المالية عام 1992. 

ويمثل هذا الهجوم ردا عنيفا على ما يعتبره الأزواديون تقاعس حكومة مالي وتلكؤها في تنفيذ بنود الاتفاق، وقد أسفر الهجوم عن سقوط أربعة قتلى من الجانبين، قبل أن ينسحب المتمردون حفاظا على أرواح الكيداليين، حسب ما أفاد قائد التمرد في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت.

وجاء هجوم العقيد المتمرد -حسب ناشطين أزواديين- بعد فشل مهمة قام بها وفد من شيوخ وأعيان منطقة كيدال لمطالبة السلطات المالية بتعزيز اللامركزية الإدارية في منطقتهم، وانتساب المزيد من الطوارق إلى الجيش المالي. 

كما طالبوا باعتماد نظام تعليمي يأخذ بعين الاعتبار الهوية العربية والطوارقية للإقليم، ومراعاة ذلك في البرامج التعليمية، وتخصيص نسبة من ميزانية الدولة لتنمية الشمال بشكل عام ومنطقة كيدال بصفة خاصة، وهو ما لم يلق تجاوبا كافيا من الحكومة المالية.

حكومة مالي من جانبها -وفي تعليقها على ما حدث- أعلنت عن تعرض ثكنتين عسكريتين تابعتين لها لهجوم مسلح. 

ودعا الرئيس المالي مواطنيه في خطاب إذاعي إلى ضبط النفس ومزيد من الهدوء، محذرا في نفس الوقت من أن تشكل الهجمات المذكورة ذريعة لإظهار العداء ضد مجموعة الطوارق التي ينحدر منها المهاجمون.

الإقليم الأزوادي
ومعلوم أن الشعب الأزوادي ينقسم عرقيا إلى مجموعتين: عرب (برابيش)، وطوارق، كما ينقسم الإقليم الأزوادي إداريا إلى ثلاث ولايات هي:

-تمبكتو: وتمثل الجزء المحاذي للأقاليم الشرقية الموريتانية من المنطقة الأزوادية، كما يقطنها العرب والطوارق على حد سواء.

-كاوا: وتقع في الجزء الجنوب الشرقي لدولة مالي محاذية الحدود البوركينابية، وتقطنها أغلبية طوارقية.

-كيدال: وتقع على الحدود مع الجزائر والنيجر والأغلبية الساحقة من سكانها طوارق.

جنوح للسلام
بعد سنوات عديدة من الحروب والاقتتال تنادت الحكومة المالية والمقاتلون الأزواديون عام 1992 إلى توقيع اتفاقية سلام ووضعت حدا لتلك السنوات المريرة. 

أهم بنود الاتفاقية نص على وجوب وقف فوري لإطلاق النار بين الطرفين، وعلى دمج المقاتلين الأزواديين في الجيش المالي، بالإضافة إلى تخصيص نسبة من ميزانية الدولة المالية لتنمية وتحديث مناطق الشمال الأزوادية.

وقد وقعت الاتفاقية كل الحركات الناشطة في الإقليم الأزوادي، وهي الحركة الشعبية لتحرير أزواد بزعامة إياد غالي والجبهة الشعبية لتحرير أزواد بقيادة عيسى سيد محمد والجبهة العربية الإسلامية لتحرير أزواد بقيادة أحمد ولد سيد محمد والجيش الثوري لتحرير أزواد بزعامة عبد الرحمن كلا.

توقيع الاتفاقية أدى إلى حل هذه الجبهات والحركات واندماج مقاتليها في الجيش المالي، وهو اندماج تشكو القيادات الأزوادية من عدم اكتماله، وتؤكد أنه بقي ناقصا ومحدودا بفعل عدم جدية الماليين في تنفيذه.

عودة إلى القتال
"
مطالب فغاغا: منح الإقليم الأزوادي وضعية خاصة سياسيا واقتصاديا وتعليميا وتنمويا وحتى عسكريا وأمنيا، بالإضافة إلى تفعيل بنود الاتفاق السابق
"
وبعد أكثر من عقد من الزمن على توقيع اتفاقية السلام بين الطرفين عاد اليأس والإحباط مرة أخرى ليسيطرا على نفوس الأزواديين، وعاد معهما المقاتلون الملثمون يجوبون الإقليم، ويهددون بالاستيلاء على القواعد العسكرية المالية، والعودة بالمنطقة إلى أجواء ما قبل توقيع السلام. 

ويبدو أن الماليين لم يأخذوا هذه التهديدات بعد على محمل الجد، وإن كان الهجوم الأخير قد يدفع الماليين إلى تغيير حساباتهم وتكتيكاتهم مخافة العودة إلى ليالي الحرب الكئيبة.

هواجس العودة إلى الاقتتال والاحتراب تترجمها أيضا عودة المقاتلين الأزواديين إلى تشكيل الجبهات، بعد أن انفرط عقد حركات التحرير السابقة، وتشتت مقاتلوها إثر توقيع اتفاقية السلام مع الحكومة المالية، حيث انخرط بعضهم في صفوف الجيش المالي، فيما لجأ البعض الآخر إلى مسارب ومنافذ أخرى.

في هذا السياق يأتي إعلان العقيد والضابط السابق في الجيش المالي حسن فغاغا في يناير/ كانون الثاني الماضي عن تأسيس فصيل عسكري يسمى الحركة الوطنية لتحرير أزواد، بعد تمرده على الجيش المالي برفقة بعض المقاتلين المنخرطين سابقا في صفوف الجيش المالي.

مطالب تشعل الفتيل
وقال حسن فغاغا خلال مقابلة له مع الجزيرة نت إن أهم مطالب تنظيمه الجديد تتمثل في منح الإقليم الأزوادي وضعية خاصة سياسيا واقتصاديا وتعليميا وتنمويا وحتى عسكريا وأمنيا، بالإضافة إلى تفعيل بنود الاتفاق السابق، خاصة تلك المتعلقة بزيادة اللامركزية في الإقليم، وتخصيص ميزانية خاصة لتنميته وتطوير بناه التحتية.

ويخشى العديد من المراقبين أن يعود الإقليم إلى سيرته الأولى: احترابا وتقاتلا وتشريدا ونزوحا، وهو وضع سيلقي بظلاله الحزينة إن وقع- على كل أجزاء المنطقة بما فيها الخارجة عن حدود الإقليم المثقل بالآلام والأحزان.
ـــــــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة