هل حرك أيلان قلب "أوروبا الرحيمة" وأبوابها؟   
الاثنين 1436/11/24 هـ - الموافق 7/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:25 (مكة المكرمة)، 12:25 (غرينتش)

في نهاية طريق اللجوء الطويل والشاق يصل لاجئون سوريون أخيرا إلى مدن بألمانيا والنمسا، تبلسم ابتسامات أهلها جراحهم، وينفض الاستقبال الحافل عنهم عناء السفر الطويل، هم الآن في جزء من "أوروبا الرحيمة" بعد تشكل موقف أوروبي وعالمي جديد من أزمتهم.

وقوبل مئات المهاجرين -أغلبهم سوريون- أمس الأحد في ميونيخ وفرانكفورت وغيرها بهتافات ولافتات ترحيب، بعد أن قررت ألمانيا استقبال نحو ثمانمئة ألف لاجئ ستبلغ كلفتهم نحو عشرة مليارات يورو (11 مليار دولار)، وطالبت المجر بفتح حدودها لوصول اللاجئين وهو ما فعلته النمسا.

وقال رئيس حكومة بافاريا العليا كريستوف هيلنبراند إن من المتوقع وصول ألفين وخمسمئة لاجئ إلى ألمانيا عن طريق النمسا بحلول ظهر اليوم الاثنين بعد أن دخل ما يقدر بنحو عشرين ألفا خلال مطلع الأسبوع.

 لاجئون في إحدى المدن المجرية (غيتي)

الواقع الجديد
وقبل فترة قصيرة، كان ينظر إلى اللاجئين على أنهم "أزمة هيكلية" بالنسبة لأوروبا وبنية سكانها ومجتمعها فتغلق الحدود دونهم، ولم تحرك مآسي غرق المئات منهم -خاصة في السواحل الليبية- أوروبا كثيرا، بل تركت الدول المستقبلة لهؤلاء -إيطاليا، واليونان، وقبرص، ومالطا- لأقدارها وسط جدل شديد بشأن القوانين الأوروبية المتعلقة باللجوء.

ويمكن فهم المتغيرات في السلوك الأوروبي والعالمي تجاه اللاجئين في إطار البعد الإنساني، إذ إن حادثة القتلى في شاحنات التبريد -بفظاعتها وحصولها وسط أوروبا- يمكن أن تحدث تأثيرا قويا، يضاف إليها جثة الطفل السوري "أيلان" على الشواطئ التركية والتي أبكت وزيرة الخارجية السويدية وجعلت رئيس الوزراء الفنلندي يفتح أبواب بيته للاجئين.

كما أن النقاش الأوروبي كان على أشده -قبل هاتين الحادثتين- من أجل إيجاد صيغة قانونية لتوزيع اللاجئين الذين يصلون أطراف أوروبا على بلدان المركز، وقد سرع هذان الحادثان من الإجراءات الأوروبية في الموضوع وخاصة في ألمانيا، التي كانت رافضة سابقا مبدأ استقبال اللاجئين.

وقد أخذت ألمانيا قصب السبق في مسألة اللاجئين، ودعت -مع فرنسا- إلى توزيعهم وفق حصص عادلة على بلدان الاتحاد الأوروبي، وتحملت مسؤوليتها في قبول ثمانمئة ألف لاجئ، ربما لتثبت بأنها إضافة لكونها قاطرة الاقتصاد الأوروبي، هي حجر رحى سياساته وقيمه، وهو ما أكدته المستشارة أنجيلا ميركل ضمنيا.

وضمن متغيرات الموقف الأوروبي، فقد رأت ألمانيا وغيرها أن التدفق أصبح هائلا على بلدان الأطراف المستقبلة للاجئين وخصوصا اليونان وإيطاليا وبعدها مقدونيا وصربيا والمجر، ولا بد من سبيل لاحتوائه بفتح الحدود واستيعاب هذه الأعداد قبل أن يسوء الوضع أكثر بما لا يمكن التصرف فيه.

وتحدثت تقارير على أن ألمانيا تحتاج إلى عدد كبير من اليد العاملة بحكم أن مجتمعها بدأ يهرم نسبيا وفقدت الكثير من الطاقة الشبابية في مصانعها فأرادت استيعاب عشرات الآلاف من هؤلاء اللاجئين في اقتصادها ومنحه الحيوية اللازمة.

والموقف الألماني -الذي يعد الأكثر تقدما في أوروبا حتى الآن- يردفه الموقف البريطاني الذي  تجاوز أيضا التشدد في مسألة قبول اللاجئين، حيث أكد رئيس الوزراء ديفد كاميرون استعداد بلاده لاستقبال المزيد من اللاجئين قد يصل إلى 15 ألف شخص وفقا للتقارير.

من جهته أعلن الرئيس الفرنسي الاثنين عزم بلاده استقبال 24 ألفا من اللاجئين على مدى سنتين  وتنظيم مؤتمر دولي بشأن الأزمة، كما اقترحت بلجيكا على ألمانيا استقبال 31 ألفا، وهو ما يشي فعلا بسلوك أوروبي جديد تجاه مسألة اللاجئين.

لاجئون في ميناء كوس اليوناني (الجزيرة)

أعباء جديدة
وأضافت أوروبا على المسألة مسحة دينية إذ دعا بابا الفاتيكان "كل رعية كاثوليكية ورهبنة في أوروبا إلى استقبال عائلة من اللاجئين"، لكن رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو انتقد التقصير الأوروبي في مسألة اللاجئين واصفا أوروبا بأنها تريد أن تبقى "قلعة المسيحية".

وأشار إلى أن الحصة "الصغيرة للغاية" من اللاجئين التي يقبل بها الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي تستقبل فيه تركيا مليوني سوري وعراقي. وقال إن أوروبا رأت أنه "من المريح وضع عبء اللاجئين على أكتاف تركيا".

وفي هذا السياق قال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إن على الاتحاد الأوروبي أن يقدم
الدعم المالي لتركيا ودول أخرى لا تنتمي لعضوية التكتل لمساعدتها في التعامل مع تدفق اللاجئين الذين يحاولون الوصول لأوروبا.

وبرر أوربان موقفه المتشدد من اللاجئين بقوله إنه يحمي أوروبا وفقا "للقواعد الأوروبية التي تنص على أنه لا يمكن عبور الحدود إلا في مناطق محددة وبطريقة منضبطة وبعد التسجيل".

ورغم تغير موقف الاتحاد الأوروبي في ملف اللاجئين فإن التناقضات ما زالت تحكم دوله، وقد دعا المستشار النمساوي فيرنر فايمان إلى قمة أوروبية استثنائية لاتخاذ مواقف موحدة، كما دعا رئيس الوزراء السويدي ستيفن لوفن الاتحاد الأوروبي لوضع آلية دائمة وإلزامية لإعادة توزيع اللاجئين خلال الأزمات.

وفي وقت يتواصل فيه تدفق المئات من اللاجئين خاصة على الجزر اليونانية تطالب دول الأطراف في أوروبا -والتي تفتقر إلى الموارد المالية اللازمة- بمزيد من الدعم المالي واللوجستي لاستيعاب الظاهرة، قبل الحديث عن أي تقسيم للحصص.

أما أوروبا "اليمينية"، فهي تحذر من أن فتح أبوابها أمام اللاجئين بهذه الأعداد سيؤدي إلى مخاطر اجتماعية ودينية على بنية المجتمعات الأوروبية و"أسلمتها"، وحذر رئيس الوزراء المجري من "غزو" عشرات الملايين من اللاجئين لأوروبا، لكن أنجيلا ميركل استحضرت صورة "أوروبا الرحيمة" حتى إشعار آخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة