غارسيا ماركيز.. الكتابة والإدهاش   
الاثنين 29/6/1435 هـ - الموافق 28/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:50 (مكة المكرمة)، 11:50 (غرينتش)

*أمير تاج السر

تقول الكاتبة التشيلية المعروفة إيزابيل أليندي في حوار معها عن غابرييل غارسيا ماركيز بعد رحيله "إن قراءة روايات ماركيز كانت تمنحني متعة بلا حدود، لكنها لم تكن تدهشني إطلاقا، كوني مواطنة من أميركا اللاتينية ولدت وعشت فيها زمنا، ذلك ببساطة شديدة أن ماركيز كان يكتبنا نحن اللاتينيين، يكتب حياتنا كما نعيشها بكل ما فيها من خير وشر".

هذا الكلام قد يكون صحيحا، وأيضا يحمل شيئا من المبالغة في رأيي، فالعوالم شبه البدائية مثل عوالم أميركا اللاتينية وأفريقيا وبعض الجزر المستقلة هنا وهناك بسكانها ومجتمعاتها المحدودة، خاصة في عصر ما قبل التقنيات الحديثة -التي كانت في حد ذاتها معجزة واختصرت العالم بشدة- لا بد أن توجد فيها الكثير من الأساطير التي شكلت وجدان الناس، وانزاحت إلى حياتهم اليومية المعتادة.

لا بد من وجود خرافات ما يعتقد البعض في حقيقتها، وبالتالي لن تدهشه إذا ما قرأها في رواية، أو شاهدها في شريط سينمائي، ولكن يمكن أن تدهش شخصا آخر لا يعرف عن تلك العوالم شيئا. وسيسعى ذلك الغريب إلى مزيد من المعرفة بالبحث عن مكامن الدهشة تلك، وبالتالي يصبح الإدهاش هنا بابا سهل الفتح، تخرج منه المعرفة لمن أرادها.

كنت وسأظل وفيا لعشقى لغابرييل غارسيا ماركيز، ومعظم من كتبوا أدبا في أميركا اللاتينية وإسبانيا، وفيا لخيالهم الذي يأخذ من بيئة بدائية شبيهة ببيئتي

الغجري "ملكيادس"، في رواية "مئة عام من العزلة" مات في أحد الأيام واختفى عن الحضور إلى "ماكندو"، لكنه ظهر ذات يوم بعد أن عاد إلى الحياة، ليحكي عن ذلك العالم الغامض الذي زاره وعاد. هذا شيء مدهش وبعيد عن المنطق بالتأكيد، لكنه لن يكون مدهشا للذين يعتقدون في إمكانية حدوث ذلك، من سكان المجتمعات المغلقة، في الأرياف وبلاد العالم الثالث كما ذكرت.

وأذكر أن هذا المعتقد كان سائدا في القرى في السودان في فترة ما، فحين كنا صغارا نزور قريتنا في الشمال نستمع كثيرا لمثل هذه القصص من سكان القرية، وكيف أن شخصا ما عاد من الموت، ليجول ليلا في البلدة، وربما يؤذي أحدا، وبالتدريج ومن كثرة تردد مثل هذه القصص، تتشكل في الوجدان ما أسميها مقاومة الدهشة، التي ستسيطر بعد ذلك.

أذكر أيضا تلك المرأة الغريبة التي كانت تقيم في بيت من القش قريبا من منزل أهلنا في القرية، وتحتفظ بحياة منعزلة تماما، ظلت محورا للتخمين. كنا نراها في النهار عادية جدا، تصافح الناس وتتحدث معهم، ويمكن أن تدخل بيتا لدقائق وتخرج، ويمكن أن تستلف ملعقة من ملح أو سكر.

لكنها تشتعل بحياة أخرى في الليل، حيث نسمع صياحها وضحكاتها، ونسمع أو يخيل إلينا أننا نسمع أصواتا أخرى تحدثها، ونرضى بما يقال عنها، وهو أنها متزوجة من جني يزورها في الليل، ويظل هذا الرضى مسيطرا على عقولنا إلى أن تختفي الدهشة تماما.

لقد استوحيت حياة تلك المرأة وقصتها الغريبة في روايتي "اشتهاء"، وأنا على يقين بأن الذي سيندهش -إن كان ثمة اندهاش سيحدث- ليس القارئ الذي عايش مثل تلك الحكايات، ولكن قارئا بعيدا قد تسوقه المصادفة لقراءة الرواية.

وعلى نفس نهج قصة تلك المرأة التي كان اسمها "بنت عيسى"، توجد كثير من القصص التي تهم الكُتاب، ويمكن أن يستلفها الخيال ويطور منها ويعيد إنتاجها قصصا مدهشة، ستدهش البعض كما ذكرت، ولن تدهش من اعتاد على مثلها.

كنت وسأظل وفيا لعشقى لغابرييل غارسيا ماركيز، ومعظم من كتبوا أدبا في أميركا اللاتينية وإسبانيا، وفيا لخيالهم الذي يأخذ من بيئة بدائية شبيهة ببيئتي، وسأردد ما قالته إيزابيل أليندي "إنني لم أكن أندهش بقدر ما كنت أستمتع بكل كلمة أقرأها، وكل مشهد بديع يصوره أحد مثل ماركيز".

ستدهشني أشياء أخرى، تدهشني اللغة المستخدمة، المفارقات، المواقف التي فيها طرافة، وأيضا الفكرة التي ينبني عليها النص. ولطالما قلت إن النص الناجح هو في البداية فكرة صغيرة تتكون بلا إرادة من الكاتب، وتمتلك القدرة على النمو الخارق، ومن ثم السيطرة على كل حواسه حتى يخرجها نصا.

أيضا الشخصيات بكل ما فيها من نزق وحكمة، وقار أو ابتذال، هي شخصيات حقيقية، موجودة وما على الكتابة الجيدة سوى أن تنفض عنها غبارها، وتهندمها وتوظفها في النصوص، وقطعا ستملأ الوظيفة بلا جدال.

الإدهاش يأتي من توظيف الطرافة بهذه البراعة. لا يوجد هنا كاتب يلوي ذراع ذهنك ووقتك حتى تقرأ ما يكتب، ولكن يوجد ساحر صاحب نداء غامض، يناديك، وتلبي النداء طائعا

حقيقة لن أنسى من كتابة ماركيز شخصيات مثل المصور الفوتوغرافي في رواية "الحب في زمن الكوليرا" الذي انتحر وهو في ثمانينيات العمر، لأنه لم يرد أن يشيخ، وهنا يأتي الإبهار من كون الرجل كان شيخا بالفعل.

شخصية أخرى مثل الغريب في رواية "وقائع موت معلن"، الذي جلس على مقعد أمام المنزل، مرهقا ويود أن ينام، ومرت فتاة جميلة، فقال لصاحبة المنزل: سأنام قليلا، وحين أستيقظ، ذكريني بأنني سأتزوج هذه الفتاة.

الإدهاش هنا يأتي من توظيف الطرافة بهذه البراعة. هنا لا يوجد كاتب يلوي ذراع ذهنك ووقتك حتى تقرأ ما يكتب، ولكن يوجد ساحر صاحب نداء غامض يناديك وتلبي النداء طائعا.

لقد ذكرت مرة في حديثي عن سيرة ماركيز التي كتبها بعنوان "عشنا لنحكي"، أو لعله عنوان شبيه بذلك، تختلف ترجمته عن الإسبانية من مترجم لآخر، أن تلك السيرة بالرغم من كونها سيرة حقيقية للكاتب، إلا أنها لم تستطع الإفلات من بهاراته وكتابته بطريقته المعروفة في شد القارئ، مهما كان انشغاله.

إذن ماركيز كان يدهش من لا يعرف عوالمه أو العوالم الشبيهة بعوالمه في العالم الممتد، ويمتع الكل ممن يعرفون عوالمه أو لا يعرفونها. أنا مثل إيزابيل أليندي، عشت سنوات قراءتي الأولى مع المتعة الماركيزية.

وحتى الآن أعود من حين لآخر لروايتي المفضلة "الحب في زمن الكوليرا" أقرأها بنفس المتعة التي قرأتها بها في الثمانينيات من القرن الماضي. ولا أستطيع أن أتخيل أن ذلك الحكاء العظيم هو نفسه الذي شاهدت علبة على طاولة قيل إنها تحمل رماده. بالنسبة لنا نحن عشاق الأدب، والمرضى بجرثومته، فإن القراءة بلا ماركيز، تبدو ناقصة كثيرا.
_______________
روائي وكاتب سوداني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة