فيضانات باكستان ورهانات السياسة   
الثلاثاء 1431/12/3 هـ - الموافق 9/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 21:42 (مكة المكرمة)، 18:42 (غرينتش)
المانحون الغربيون يسيسون جهود المساعدات الموجهة إلى ضحايا الفيضانات (الفرنسية-أرشيف)

كتب المدير العام لمنظمة "أطباء بلا حدود" كريستوفر ستوكس عن تجربته في باكستان وفاجعة الفيضانات التي تعد الأسوأ في تاريخها المعاصر، وقال إن هذه الفاجعة لم تمر دون أن تمسها لعبة الرهانات الجيوسياسية التي سيطرت على صياغة التبريرات الرسمية للمساعدات الغربية، والكيفية التي تمت بها عملية توزيع المساعدات على ضحايا الكارثة.
 
ولن تكون النتيجة القاتمة لمثل هذا الوضع سوى مزيد من التضييق على قدرة عمال الإغاثة والمساعدات الإنسانية على إيصالها إلى السكان الباكستانيين في أكثر المناطق انعداماً للاستقرار في البلاد.
 
رهانات سياسية
يقول ستوكس إنه عاد لتوه من باكستان حيث زار المناطق التي اجتاحتها الفيضانات، ويضيف "ناقشت مع طاقم منظمة أطباء بلا حدود جهود الإغاثة وآثارها على المساعدات الإنسانية في البلاد. وبينما كان أفراد المجتمع هم الأطراف الرئيسية التي استجابت للأزمة، سخرت منظمة أطباء بلا حدود طاقماً مكوناً من 1200 باكستاني و135 أجنبياً لتوفير المساعدة في 15 موقعاً في أنحاء متفرقة من البلاد.
 
وللأسف، فإن ما استقيته من أنباء خلال زيارتي هناك أكد بالحجة الدامغة أن تسييس المانحين الغربيين لجهود المساعدات الموجهة إلى ضحايا الفيضانات، زاد من ترسيخ شكوك الباكستانيين في النوايا الحقيقية وراء المساعدات الأجنبية".
 
ويقول: عندما أصبحت خطورة الفيضانات جلية للجميع، رأى القادة الغربيون في المأساة فرصة سانحة، وبدؤوا ينادون بتعزيز المساعدات لبلد كان يُعرف بأنه "مرتع خصب" للإرهاب، وذلك كوسيلة للمساعدة في تحسين ظروف الأمن في بلدانهم. وخلال زيارة قام بها السيناتور الديمقراطي جون كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي وأحد مقترحي قانون لتمرير مساعدات بقيمة 7,5 مليارات دولار، في أغسطس/آب الماضي سعى إلى الترويج لأهمية تقديم المساعدات لضحايا الفيضانات لأنه "من الواضح أن هناك مصلحة أمنية قومية... فنحن لا نريد المزيد من الجهاديين والمتطرفين الذين سيظهرون جراء هذه الأزمة".
 
وبالنسبة لباكستان، كان يبدو أن مأساة الناس الذين فقدوا كل ما يملكون في كارثة وطنية عظمى لم تكن كافية ليستحقوا المساعدة مجاناً. وفي المقابل، كان من الضروري رهن المساعدات الأجنبية بالحفاظ على شوارع أوروبا والولايات المتحدة آمنة من خطر الإرهابيين المحتملين، إذ يجرد هذا الخطاب الساخر ضحايا الكارثة من آدميتهم ويجعل المنظمات التي تقدم المساعدات الإنسانية تبدو في مظهر المتآمر ضمن أجندة سياسية واسعة، فحين تُستخدم المساعدات الإنسانية لأغراض سياسية، أو حتى حين تأخذ هذا المظهر، فإنها تتجرد من المفهوم الإنساني تماماً.
 
من مظاهر كارثة الفيضانات (رويترز-أرشيف)
بيئة مشحونة
ويتابع ستوكس القول: هذا ليس مجرد نقاش فارغ حول دلالات الألفاظ.. إنني أتحدث عن زملائي -ومعظمهم من الباكستانيين- الذين وجدوا أنفسهم يحاولون توفير المساعدات في بيئة مشحونة سياسياً هي أسوأ ما يمكن للمرء تخيّله. فيعتمد كسب ثقة جميع الأطراف المتناحرة في نزاع ما والقدرة على الوصول إلى السكان المتأثرين بالأزمة بشكل كامل على فرض اسمك كمؤسسة إنسانية صرفة، بمعنى أنك لا تؤيد طرفاً ضد آخر، بل توزع المساعدات اعتماداً على الاحتياجات فقط، وبصرف النظر عن أي عامل سياسي أو غيره من التأثيرات الخارجية الأخرى.
 
وللأسف، وخلال كارثة الفيضانات، لم تحافظ العديد من المنظمات التي تدعي أنها منظمات إنسانية مستقلة وغير متحيزة على استقلاليتها عن الجيش والحكومة، فقد استخدمت بعض هذه المنظمات الطيران العسكري لتقديم المساعدات، في حين قبلت أخرى بالعمل تحت حماية عسكرية في أماكن استطاعت منظمة "أطباء بلا حدود" أن تنشط فيها من دون الحاجة إلى حماية، ورضخت منظمات أخرى إلى "توجيهات" من السلطات في ما يخص الأماكن التي يجب عليها توزيع المساعدات فيها.
 
ونتيجة لذلك، أصبحت الثقة التي كافحت طويلاً من أجل اكتسابها بعض المنظمات الإنسانية مثل منظمة "أطباء بلا حدود"، والتي تحاول العمل باستقلالية وعدم انحياز في أكثر مناطق باكستان انعداماً للاستقرار، في مهب الريح. ولا شك أن ضياع هذه الثقة سيؤدي لا محالة إلى تقويض قدرتنا على توفير المساعدة للسكان المحاصرين في إحدى أكثر المناطق تهميشاً وتقلباً في العالم.
 
إن علينا أن نرفض هذا المنطق الخاطئ في تقديم التبريرات السياسية للمساعدات، فهو يضحي باحتياجات كل من لا يبدو "مفيداً" من الناحية السياسية. وكوننا نعمل في الحقل الإنساني، يجب علينا فعل كل ما بوسعنا للحفاظ على استقلاليتنا من أية برامج سياسية أو عسكرية مهما كانت حتى نضمن الحفاظ على قدرتنا على الوصول إلى من هم في أمس الحاجة إلى المساعدة، سواء كانوا "ضحايا مفيدين" أم لا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة