اقتراح طارئ لقمة طارئة   
السبت 1423/12/21 هـ - الموافق 22/2/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

* إعداد/ شفيق شقير

عندما دعا الرئيس المصري حسني مبارك لقمة عربية طارئة انتعشت الآمال بقدرة العرب على التوحد على موقف معارض للحرب ولو بالحد الأدنى، وعزز هذا الشعور التصريحات التي صدرت عن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى ووزير خارجية مصر أحمد ماهر والتي كانت تشير بوضوح إلى أن هدف القمة هو السير في طريق تجنيب العراق حرباً محتملة، وهو ما لم يحدث. ويبشر البعض بأنه لن يحدث أبداً بعد الاعتراض الكويتي على البيان الذي صدر عن الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب في القاهرة!.

البيان

البيان الوزاري العربي أكد ضرورة تجنب الدول العربية تقديم أي نوع من المساعدة أو التسهيلات لأي عمل عسكري يؤدي إلى تهديد أمن وسلامة العراق ووحدة أراضيه
صدر عن الوزراء العرب الذين اجتمعوا في القاهرة للتحضير للقمة الطارئة بيان اعتبروا فيه أن تهديد أمن أي دولة عربية يمثل تهديدا للأمن القومي العربي، وأكدوا فيه ضرورة تجنب الدول العربية تقديم أي نوع من المساعدة أو التسهيلات لأي عمل عسكري يؤدي إلى تهديد أمن وسلامة العراق ووحدة أراضيه.

ورحب البيان باستمرار تعاون العراق مع المفتشين الدوليين وبناء أرضية من الثقة المتبادلة. كما دعا المفتشين إلى مواصلة عملهم بموضوعية ونزاهة من أجل تجاوز العقبات والصعوبات التي يمكن أن تعترض الجانبين.

وحث أعضاء مجلس الأمن الدولي على منح المفتشين الوقت الكافي لإنجاز مهامهم التي حددها لهم المجلس لتنفيذ القرار 1441. ودعا مجلس الأمن إلى تفعيل قراراته المتعلقة بالعراق، خاصة المادة 22 من القرار 687 التي تنص على رفع الحصار المفروض على العراق.

ونص البيان أيضاً على رفض جميع المخططات الرامية إلى فرض تغييرات على المنطقة وإلى التدخل في شؤونها وتجاهل المصالح المشروعة لدول وشعوب المنطقة وقضاياها العادلة.

ثم انفض الاجتماع بعد أن تمخض عن لجنة وكل إليها تحديد موعد القمة الطارئة المزمع عقدها، وتضم اللجنة الدولة المضيفة مصر، ورئيس القمة لبنان إضافة لجامعة الدول العربية.

الاعتراض الكويتي
وقد كان هذا البيان الوزاري مثل القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد استاءت الكويت من بعض فقراته واعتبرته منحازاً للطرف العراقي وخاصة الفقرة التي تدعو الدول العربية إلى عدم تقديم أي تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة في حربها المحتملة على العراق.

وأشارت مذكرة الاحتجاج الكويتية إلى أن "الكويت عبرت عن أسفها وانزعاجها للأسلوب والنهج غير المنظم في إدارة الاجتماع الطارئ من قبل الرئاسة (لبنان) التي لم تلتزم بالقواعد والإجراءات المنصوص عليها في النظام الداخلي لمجلس الجامعة العربية". وأضافت أن "الرئاسة لم تستجب لطلب المملكة العربية السعودية التصويت على الاقتراح الذي بدا الخلاف بشأنه واضحا ويدعو بألا يصدر أي بيان عن المجلس الوزاري وأن ترفع توصية بالموضوع إلى القمة العربية الاستثنائية".

وأوضحت المذكرة أن "الطلب السعودي لقي دعم مصر والكويت لكن الرئاسة تجاهلت ذلك، مخالفة مرة أخرى الإجراءات المتبعة في مجلس الجامعة". وقالت إن البيان الذي صدر عن العراق "لا يلبي ولا يعكس مطالب الدول التي لديها ملاحظات ووجهات نظر مختلفة، مما حدا بالكويت إلى التحفظ على البيان".

ولم تقف المشكلة عند هذا الحد فقط، فقد بادر بعض أعضاء البرلمان الكويتي بدعوة الحكومة الكويتية لتجميد المساعدات الاقتصادية للبنان وسحب السفير الكويتي من بيروت، كما شنت الصحف الكويتية حملة على لبنان واعتبر بعضها أن سوريا هي المسؤولة عن طريقة لبنان في إدارة رئاسة القمة، ولم تتورع بعض الصحف بالغمز والإشارة إلى هيمنة سوريا على لبنان.

أحلاف عربية

إذا ضرب العراق، فستكون سوريا الموقع التالي الذي سينتقل الأوروبيون المتحفظون لتحصينه والاعتماد عليه للحد من خسائرهم في المنطقة العربية
أدى الاحتجاج الكويتي وما رافقه من تداعيات إلى إلغاء القمة الطارئة على أمل أن تعقد القمة العادية في أول مارس/ آذار من العام الجاري، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك تحفظا سوريا لبنانيا على موعد القمة العادية، ويشترط البلدان الاتفاق على نقاط محددة قبل الاجتماع.

ومن دون شك عكس الاجتماع الوزاري السابق ذكره تبايناً عربياً في وجهات النظر حيث انقسموا إلى معسكرين، وتمحور الخلاف حول إذا ما كان يتعين على واشنطن أو بغداد أن تتعاونا لحل هذه الأزمة وتجنب الحرب.

ويقول معسكر تتزعمه سوريا إن القمة يجب أن تعقد لنقل رسالة قوية للولايات المتحدة تعكس معارضة الدول العربية لشن حرب على العراق والسياسات الإسرائيلية المتبعة في المنطقة المنحازة لإسرائيل، في حين يريد المعسكر الآخر وتتزعمه دول خليجية ومصر من القمة أن ترسل رسالة إلى الرئيس العراقي صدام حسين تطالبه بالتعاون مع مفتشي الأسلحة في العراق التابعين للأمم المتحدة.

وهذا الانقسام أعطى له المراقبون تفسيرات مختلفة، مثل القول إن سوريا تدرك أنها ستكون الهدف التالي بعد العراق، ولها سجل حسب الرؤية الأميركية حافل بما يسمى الإرهاب ابتداء من دعم حزب الله والمنظمات الفلسطينية وانتهاء "بالوجود" السوري في لبنان والذي يتوقع البعض بأن يأخذ اسم "الاحتلال"، بحسب القاموس الأميركي في مرحلة ما بعد عراق صدام.

ولكن في المقابل من المهم الإشارة إلى أن لسوريا رصيدا من التجارب الناجحة في التعامل مع الإدارات الأميركية السابقة، وفي أسوأ الأحوال إذا استطاعت أميركا تجاوز تحفظات أوروبا العجوز وحققت أهدافها في العراق، فإن الأمر قد يكون أصعب مع سوريا خاصة إذا ما صدقت التوقعات بأن سوريا ستكون الموقع التالي الذي سينتقل الأوروبيون المتحفظون لتحصينه والاعتماد عليه للحد من خسائرهم في المنطقة العربية.

وأما السعودية فمنذ تفجيرات سبتمبر/ أيلول وهي في موقف حساس يمنعها من إبداء أي موقف يمكن أن تفهمه واشنطن على أنه محاولة عرقلة، وكل ما تصبو إليه هو إقناع الأميركيين بأن السعودية الموحدة هي حليف قوي للولايات المتحدة، وذلك لإبعاد مشاريع تقسيم المملكة التي تطرح هنا وهناك من حين إلى آخر. وفي الوقت نفسه تحاول أن تحافظ على الالتزامات التي يفرضها موقعها الديني كحاضنة لمقدسات أكثر من 200 مليون عربي وأكثر من مليار مسلم.

وبالنسبة للكويت فإن الغزو الذي تعرضت له جعلها في مواجهة مباشرة مع صدام، وفي موقف واضح ومكشوف إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية. ويبدو أن تحفظ بعض الأوروبيين والتظاهرات التي سادت العالم كانت كافية لتشجيع الرئاسة اللبنانية للقمة للمسارعة بإصدار بيان مناهض للحرب على العراق، ولكنها لم تكن كافية لإقناع الكويت بأن ما صدر هو مجرد بيان وهو جزء من تاريخ حافل بالبيانات، الأمر الذي فتح المجال أمام البعض ليقول إن مهمة الكويت كانت وأد القمة أو إفشالها لأن التبرم الأميركي بلغ أقصاه.

وبدت مصر للمحللين كاللغز، فقد دعت لقمة طارئة على أمل الانضمام للجهود الأوروبية المبذولة لإبعاد شبح الحرب. ولكنها أثناء الإعداد للقمة لم تكن أكثر من شبح، فلم تبذل أي جهد لإنجاح عقدها على الأقل، مما طرح أسئلة كثيرة عن حقيقة دور مصر المقبل.

وبقية الدول العربية بدت غائبة عموماً عن ساحة الفعل، وكل منها يعمل بطريقته الخاصة للتكيف مع الهيمنة الأميركية والعالم الجديد الذي تصنعه.

فهذا الوضع العربي المقلق بدأ يثير المخاوف من عودة سياسة الأحلاف التي شتتت العرب في الحقبة السوفياتية ما بين معسكرين، ولكنه الآن تشتت في العراء فلا معسكرات تحميهم.
ــــــــــــــــ
* قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة