إيرفينغ كريستول عراب المحافظين الجدد   
السبت 1430/9/30 هـ - الموافق 19/9/2009 م (آخر تحديث) الساعة 20:38 (مكة المكرمة)، 17:38 (غرينتش)

إيرفينغ كريستول (موقع كومكاست)
منهم من يسميه اليد الخفية لحركة المحافظين الجدد ومنهم من يصفه بمنظر هذه الحركة, لكن الذي لا يختلف عليه اثنان هو أن إيرفينغ كريستول ابن العائلة اليهودية التي استقرت في نيويورك بعد هجرتها من أوكرانيا الأب الروحي لحركة المحافظين الجدد التي تغلغلت في أوساط صناعة القرار السياسي لهذا البلد, مغيرة مجرى السياسة الأميركية الحديثة برمته.

لقد استطاع هذا الكاتب الصحفي من خلال مقالاته وأعمدته في دوريات ومجلات بعضها من إنشائه أن يؤثر في تفكير الساسة الأميركيين.

وقد انتقل هذا المفكر من شيوعي تروتسكي إلى ما يصفه هو بـ"الليبرالي المصدوم بالواقع" وهو ما أطلق عليه في سبعينيات القرن الماضي الكاتب الاشتراكي مايكل هارنغتون اسم "المحافظ الجديد".

وقد استطاع كريستول أن ينشر أفكاره عبر عدد من الدوريات لعل أهمها The Public Interest (المصلحة العامة) التي أنشأها مع دانييل بيل عام 1965, ومثلت هذه الدورية بداية بث فكر المحافظين الجدد.

وفضلا عن هذه الدورية, نشر كريستول وحرر مقالات رأي وتعليقات في دوريات شملت إنكانوتر, وذي نيو ليدر وذي ريبورتر وذي ناشيونال إنترست.

ورغم أن تلك الدوريات لم تكن واسعة الانتشار فإن كريستول كان ينظر لذلك باعتباره نقطة قوة لا ضعف فالمهم بالنسبة له هو "نوع القراء لا كمهم" إذ بإمكان المرء حسب كريستول أن "يغير العالم بدورية أو مجلة لا يتجاوز حجم توزيعها بضعة مئات" فهو يرتاح للدوائر الصغيرة وللمناورة خلف الكواليس.

ولم يكن كريستول يهتم كثيرا بالشهرة, بل كان كما يصفه خبير الاقتصاد غود وانسكي "اليد الخفية لحركة المحافظين الجدد" وكان يبتعد عن أضواء التلفزيونات ووسائل الإعلام الأخرى ويسعد بدلا من ذلك باللقاءات الثنائية مع الأشخاص المؤثرين كالسيناتور جاك كمب, الذي أقنعه بنظرته في الاقتصاد ثم جلس يتفرج عليه وهو يهدي الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان إلى هذا المذهب الجديد.

فكريستول كان فعلا رجل أفكار يعتقد في قوة الأفكار وقد شن أشرس معاركه ضد المثقفين من أمثاله, فالناس العاديون, حسب رأيه, أجدر بالثقة في فعل ما هو صواب من المثقفين.

ورغم أن كريستول يرى أن الدين والاعتقاد في اليوم الآخر أساس قيم الطبقة المتوسطة, ورغم أنه كان يقول إن الدين هو صمام أمان العالم ضد النزوات الفوضوية وإن الدين هو الذي يحول دون "انهيار العالم" فإن رأيه الشخصي عن الدين كان غامضا لدرجة أن بعض أصدقائه كانوا يتساءلون عما إذا كان مؤمنا أصلا بالله.

"
كريستول الذي مات أمس الجمعة عن 89 عاما هو "عراب" المحافظين الجدد الذين يتخذون من الدين مرجعيتهم في كثير من قراراتهم السياسية
"
فقد قال في إحدى مقابلاته عام 1996 للصحفي الذي كان يحاوره "أنا مؤمن دائما" مضيفا "لكن لا تسألني عن الذي أؤمن به فذلك أمر معقد, لأن كلمة الإله تشوش على كل شيء".

ومع ذلك فكريستول الذي مات أمس الجمعة عن 89 عاما هو "عراب" المحافظين الجدد الذين يتخذون من الدين مرجعيتهم في كثير من قراراتهم السياسية.

وقد منحه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الوسام الرئاسي للحرية وأعلى وسام مدني أميركي وذلك في يوليو/تموز عام 2002.

وكتب محررو مجلة ويكلي ستاندرد التي يديرها ابنه وليام في نعيهم لكريستول على موقعها على الإنترنت إن "حكمة كريستول ومرحه وكرمه جعلت منه صديقا وراعيا لأجيال عدة من المفكرين والموظفين الحكوميين".

إسرائيل في القلب
ولئن كان كريستول يحاول في أكثر من مناسبة أن يشرح سبب تحوله من ناشط شيوعي يساري متطرف إلى يميني متشدد, فإن مواقفه وآراءه تبعث على الشك في روايته حول أسباب ذلك التحول.

وقد كتب الصحفي فيليب ويس الذي ينشر تحقيقاته في كثير من الدوريات والصحف والمجلات الأميركية يقول في أحد أعماله إنه حصل على تصريح للمؤلف اليهودي المعروف بميوله للمحافظين الجدد نورمان بودوريتس أدلى به في العام 1979 يقول فيه إن حركة المحافظين الجدد نشأت أول ما نشأت بسبب القلق اليهودي من نية الحزب الديمقراطي تقليص الإنفاق العسكري مما يمثل تهديدا مباشرا لأمن إسرائيل.

"
حركة المحافظين الجدد نشأت أول ما نشأت بسبب القلق اليهودي من نية الحزب الديمقراطي تقليص الإنفاق العسكري مما يمثل تهديدا مباشرا لأمن إسرائيل
"
ويؤيد ذلك ما كتبه إيرفينغ كريستوف في دورية الكونغرس التي تصدر عن كونغرس اليهود الأميركيين, حيث يقول
"لا شك أن السيناتور ماكغفرن مخلص في قوله إنه سيسعى لخفض الميزانية العسكرية بنسبة 30 ٪. وهو ما يعني تحريك سكين في قلب إسرائيل... اليهود لا يرغبون في الميزانيات العسكرية الكبيرة, لكن من مصلحة اليهود أن تكون لديهم مؤسسة عسكرية كبيرة وقوية في الولايات المتحدة الأميركية... وعلى اليهود الأميركيين الحريصين على بقاء دولة إسرائيل أن يقولوا، لا، إننا لا نريد خفض الميزانية العسكرية، إذ من المهم الحفاظ على تلك الميزانية العسكرية كبيرة، حتى نتمكن من الدفاع عن إسرائيل".

وقد برهن ابنه وليام على تماه في الأفكار مع أبيه عندما عبر عن نفس الموقف وهو يدفع نحو شن حرب أميركية على العراق, إذ يقول في كتابه "الحرب على العراق" الذي ألفه بالتعاون مع لورانس كبلان إن على أميركا أن تتصرف في حالة هجوم عراقي على إسرائيل "فتهديد مصالح حلفائنا, تهديد لنا".

ولا يرى ويس فرقا في معنى كلام الأب وابنه, وإنما يلاحظ أن الابن كان حذرا أكثر لأنه لا يكتب لجمهور يهودي كما كان أبوه في العام 1973.

وقد كشف كريستول عن رأيه هذا بعيد الحرب التي شنتها قوات التحالف بقيادة أميركية على العراق بعد احتلاله الكويت, حين حذر الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش من مغبة الضغط على إسرائيل لحملها على تقديم تنازلات من أجل السلام.

وقال كريستول آنذاك موجها كلامه لبوش "إذا أراد الله أن يدمر شخصا جعله يحاول إيجاد تسوية للصراع العربي الإسرائيلي" وذلك تعليقا على قول بوش إن الوقت قد حان لوضع حد للصراع العربي الإسرائيلي.

وترجع الأوساط الأميركية سبب هزيمة بوش الأب في الانتخابات التي خاضها بعد محاولته الجادة نوعا ما لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي إلى ضغطه ماديا وسياسيا على إسرائيل, مرجحة أن يكون اللوبي اليهودي بأميركا اضطلع بدور كبير في تلك الهزيمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة