علية البوزيدي الإدريسي.. رمضان بطعم السرد والورد   
الجمعة 20/9/1437 هـ - الموافق 24/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:50 (مكة المكرمة)، 11:50 (غرينتش)

في السفر مع عدد من الكتاب والمبدعين العرب للتعرُّف على طقوسهم في الإبداع والكتابة والقراءة خلال شهر رمضان الكريم، نتوقف اليوم مع الشاعرة المغربية علية الإدريسي البوزيدي.

تحن صاحبة "هواء طويل الأجنحة" إلى عوالم الطفولة وبدايات الصوم الأول، خياطة اليوم والصوم بالتقسيط، والتلصص على وجبة السحور، والمكافأة المادية والمعنوية من الجد مع حلول المغرب.

في رمضان الحالي تعيد علية الإدريسي البوزيدي قراءة رواية "حذاء فيلليني" للمصري وحيد الطويلة حتى "ترمم رأسها الصغير من المشي حافية القدمين"، ولها موعد مع "أجمل نساء المدينة" لتشارلز بوكوفسكي.

في ما يلي نص رد الكاتبة على أسئلة الجزيرة نت حول طقوسها في القراءة والكتابة وشجونها وحنينها في شهر رمضان:

كنت صغيرة وكانت والدتي تشاركني وجبة الفطور ذاك الصباح، عندما فاجأنا أخي بعودته غير المحتملة من الخارج.. بدت أمي مرتبكة جدا وهي تحاول إخفاء كأس القهوة تحت الطاولة، بينما علت حمرة على وجنتيها من الخجل.

تمتمت بكلمات لم أفهمها، "سيري الله يمسخك.. فطرتني معاك"، قالت لي بنبرة معاتبة وعينها على كسرة خبز أسمر غمستها في صحن زيت الزيتون.. أخي أيضا بدا مرتبكا وتسمّر في مكانه، قبل أن يذهب إلى الغرفة الأخرى مهرولا. في المساء سمعتها تحكي الواقعة لجارتنا التي جاءت تطلب حبة بصل، ولما انتبهتا لوجودي نهرتني.

خرجت عند الباب لألعب مع حنان ابنة جارتنا التي تشتكي لأمها كلما صرخت في وجهها لأنها لا تجيد جمع الحجر من الأرض ولا رسم مربعات بالطبشور.. لم أصحُ إلا على صوت انفجار قوي يأتي من مكان قريب.. هرعت أصرخ إلى البيت، تلقفني حضن أمي وبدأت تمسح شعري وهي تضحك.

في الركن كانت تجلس جدتي بلباسها الأبيض الأنيق أمام طاولة مليئة بالأكل.. أشارت إلي بحركة من أصابعها أن أقترب، جلست بالقرب منها، ناولتني حبة تمر وكأس حليبها وقامت لتصلي.. بعد الانتهاء عادت لتجلس جنبي لينضم إلى الطاولة كل أهل البيت.

كانت زجاجة الماء المثلجة قريبة من أخي الذي انهال يشرب منها، في حين كان جدي بلحيته البيضاء ينظر إليه وهو يستغفر الله.. "لا تبدأ فطورك في اليوم الأول بالماء البارد لأنك ستشعر بالعطش طوال الشهر"، قالت أمي وهي تصب لنا كؤوس الشاي.

أعيد قراءة رواية "حذاء فيلليني" لصديقي المصري وحيد الطويلة حتى أرمم رأسي الصغير من المشي حافية القدمين، وفي الرف ينتظرني موعد مع "أجمل نساء المدينة" لتشارلز بوكوفسكي

هكذا حجزت مكاني جنب جدتي ولمدة شهر.. أحيانا أسمعهم يأكلون في وقت متأخر فأتحايل على النوم وأشاركهم الطبق، وأحيانا أخرى آكل كسرة خبز في الصباح وأشرب كأس شاي بارد، إلى أن تعلمت كيف أخيط أيام الصوم فأصوم اليوم الأول إلى منتصف النهار، واليوم الموالي إلى منتصف النهار أيضا، ليصير في جعبتي يوم كامل من الصوم أحمله في المساء إلى أذن جدي فيناولني درهما وقبلة على جبهتي.

نعم إنه رمضان الآن، وأنا ما زلت طفلة، لكني أصبحت متسولة أستعير من أصدقائي بعض العناوين، وفي أحيان كثيرة أستعير منهم ورقا لأقرأه بعيوني الذابلة منتصف الليل وأنا أتجول داخل أزقتها وفضاءاتها. أحيانا أجد بيضا في العش فأضطر لانتظار موسم التفقيس كي لا أوقف الرحلة، وأحيانا أغتصب الورق الأصفر كمجرمة حرب فأقتلع ما تيسر من إطناب وحشو لتكون دمائي صافية.

حاليا أنا أعيد قراءة رواية "حذاء فيلليني" لصديقي المصري وحيد الطويلة حتى أرمم رأسي الصغير من المشي حافية القدمين، وفي الرف ينتظرني موعد مع "أجمل نساء المدينة" لتشارلز بوكوفسكي باقتراح من صديقي أنيس الرافعي، وقد أضيف مفاجآت أخرى.

باقي رمضان سأقضيه مع البحر، وقد أشتري له باقة ورد، فأنا منذ أن غادرت "تاونات" (شمال شرق البلاد) وأنا أشتري الورد في رمضان حتى لا تذبل أيام الشمس.. لكن في غيابها سأجلس في شرفتي ليلة السابع والعشرين من رمضان أنتظر "النفار" (صاحب بوق نحاسي رفيع ينفخ فيه خلال المناسبات) لأمدّه بصحن قمح كما كانت تفعل أمي، وفي الفجر سأحمل صحنا مماثلا لإمام المسجد، وما تبقى سأعطيه لطالب الحسنات صديق جدتي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة