"كتاب الخطايا".. بؤس الواقع ولعنة الحلم   
الاثنين 1435/3/6 هـ - الموافق 6/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)
غلاف رواية "كتاب الخطايا" للجزائريّ سعيد خطيبي (الجزيرة)
هيثم حسين

يزيح الجزائري سعيد خطيبي في روايته "كتاب الخطايا" النقاب عن كثير من الممارسات الشائنة التي يرتكبها بعض الناس تحت أسماء مضللة بحق آخرين. يثير أسئلة عن معاني الخطيئة وأبعادها وأدوار المساهمين فيها، وكيف أن التجريم والتعنيف والتضييق قد يدفع المرء إلى تخوم التطرف والضياع والجنون.

يعتمد خطيبي في روايته -الصادرة مؤخرا عن منشورات ANEP في الجزائر- تقنية الرواية داخل الرواية، فالراوي العليم يمهد في الفصل الأول "الزلّة الفاضلة"، لدخول الحكاية المركزية، حيث تكون "كهينة" هي الراوية في الفصل الثاني "لعنة الأمازيغية" والذي يشكل غالبية الرواية.

ويعود الراوي إلى استلام زمام الحكاية في الفصل الأخير "كرّاسة الحلزون"، مختتما الرواية بقراءة مقتطفات من الدفتر الذي تتركه البطلة الهاربة إلى مصيرها المجهول.

يدفع خطيبي بطل روايته إلى نوع من التماهي مع الكاتب الجزائري الراحل كاتب ياسين، إذ يصارح نفسه بأنه متأثر بما قرأه عن ياسين وما سمعه من قصص عنه وعن علاقته بالنساء، وتأتي قراءة الراوي لمقاطع من روايته الشهيرة "نجمة" لصديقته من باب المواساة لها لإخراجها من "حزنها الأنثوي إلى جنة الحلم الطفولي".

كما يدفع ببطله إلى القيام بدور المداوي بالأدب والمعالج بتأثيراته الإيجابية المحتملة، إذ تراه يطلب من المرأة المفجوعة بواقعها أن تكتب وتواصل سرد صدمتها، ويحدّثها أن الحياة حكاية.

تجد بطلة الرواية في الكتابة ضالتها ودواءها، تكتب لتخرج ما يقض مضجعها عسى أن تكون حكايتها عبرة للمتندرين عليها والمتحرشين بها والظالمين لها

تهمة مشوهة
يصف خطيبي إيقاع الحياة الرتيب الثابت الذي يشوه حياة الفتاة التي تبلغ عمرا معينا توصَف فيه من قبل المحيطين بها بأنها عانس، وكيف أن الكلمة تؤذي مشاعرها وتقهرها، وتوقعها ضحية تخلف اجتماعي يقيد المرأة بالنظر إليها على أنها عالة في حال لم تعثر على زوج، وتظل موضع الشبهات، يتم التعاطي معها كأنها نوع من الوباء الذي ينبغي الاحتراس منه. حتى أن أهلها أيضا يتعاملون معها بنفس الذهنية المتحجّرة.

بطلة الرواية فتاة أمازيغية تلجأ إلى العاصمة الجزائر، كان والدها عاملا في شركة الحديد بفرنسا، لا يكفي معاشه التقاعدي الهزيل لسد حاجيات أسرته المتوسطة العدد، تراقب تطوّر حياتها وأخواتها الثلاث، وكيف أن مسارات الحياة تتشعب بهن، وتظل تائهة في بحر الفقر والحاجة، ومن ثم ترى العمر يتسرب من بين يديها لتوصم بالعنوسة وكأنها تهمة وجريمة.

الكل ينظر إليها على أنها عالة على المجتمع، والداها، أخواتها والجيران، ما يدفعها إلى الشعور بأنها ضحية دعوات الآخرين عليها بالفشل والعذاب أو أنها محسودة -كما تخمّن- تهيمن عليها مشاعر الأمومة، ترفض أن تجهض حملها غير الشرعي من توفيق، الذي تخبره بأنها أجهضت، تقرر كتابة حكايتها وإطلاع أحدهم عليها، تضع نصب عينها إمام المسجد ظنا منها أنه سيقدّر حالتها، لكنها تغير رأيها وتختار "إسماعيل" كي تطلعه على أسرارها وتكاشفه بخباياها.

تجد بطلة الرواية في الكتابة ضالتها ودواءها، تكتب لتخرج ما يقض مضجعها عسى أن تكون حكايتها عبرة للمتندرين عليها والمتحرشين بها والظالمين لها. تصل إلى درجة خطيرة من الوسوسة، تتخيل أشباحا وترى أناسا يمرون أمامها دون أن ينظروا إليها أو يكلموها.

تعتقد أنهم عرفوا السر-سر حملها من رجل أجنبي- تنوح وتترجاهم أن يعودوا، أن يغفروا لها خطيئتها، أن يشنقوها أمام نبع القرية بدل هجرها كلقيطة. يصفها الراوي بأنها كانت مثل الحلزون، تختبئ في قوقعة ماضيها كلما شعرت بعدم الأمان، وتهرب إلى الوراء كلما شعرت بضعفها.

ينوّع الكاتب في أساليبه وسرده، يعدد في أصوات الرواة، وكأنه يرد الاعتبار للأصوات المقموعة في الواقع

وقائع وألاعيب
يشحن الكاتب سرده بجرعة أسى، ذلك أن بطلته تدفع ضريبة أجيال وضعت ضحية سوء التدبير وبؤس التخطيط، تعترف بفشل قومها عن تحقيق أهدافهم، وانشغالهم بالشعارات الكبيرة في حين يتجاهلون الأهداف الصغيرة التي تهم الأفراد ويقصونها من سلم أولوياتهم، ما يفاقم المشكلات ويعقدها.

يكون اعترافها الممض لها، والمدين لغيرها: "المشكل أن بني جلدتي قاموا بالثورات وصنعوا تاريخا كاملا لوحدهم، لكنهم لم يجدوا حلا للعنوسة المزمنة التي تؤرّقني".

يرمز خطيبي إلى التفتت الاجتماعي المستشري، وفشل الأنظمة والحكومات في تحقيق أبسط أهداف الناس في الحصول على الرعاية والتنعّم بالأمان. كما يعقد مقارنات بسيطة بين واقع القرية وواقع المدينة، فالفتاة "كهينة" التي كانت الحياة بالنسبة لها في قريتها مفتوحة على جميع التناقضات، وكانت صادقة وغنية بالتجارب تجد الأمكنة الجديدة باردة تفتقر إلى الحميمية المنشودة والأمان المأمول.

يقارب خطيبي أيضا أجواء العالم الافتراضي الذي بات يحتل حيزا كبيرا في اهتمام الشباب، ويلعب دورا تنفيسيا ما، أو يبدو في بعض الأحيان كأنه يعوض عن الشريك القريب بآخر بعيد يشارك المرء همومه ورغباته، يتبادل معه الملذات المتخيلة بناء على صورة مرسلة أو دردشة حيّة.

ويشير إلى أن اللعبة قد تبلغ درجات خطيرة وتصل إلى مراحل مؤثرة في حياة البعض الذين يعانون فراغا بحيث تسكنهم فراديس الوهم بعيدا عن بؤس الواقع، فيصدمون بعد ذلك بفداحة ما أوهموا أنفسهم به حين ينقطع التواصل فجأة أو يغافلهم الواقع بالطلبات الواجبة.

ينوّع الكاتب في أساليبه وسرده، يعدد في أصوات الرواة، وكأنه يرد الاعتبار للأصوات المقموعة في الواقع. كما أنه يعتمد التكثيف في روايته، يدفع القارئ إلى مشاركته تخيل التفاصيل التي يحجبها، ينشغل بحديث الدواخل ومكابدات الشخصيات، مع تلميحه بين الفصل والآخر إلى صور على هامش الحياة، كالتحرش المتنامي من قبل البعض والإساءة للفتاة بذاك السلوك الشائن، وتعنيف الإنسان بناء على الظنون والشكوك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة