رحلة الصحافة الفرنسية من الغازيتا إلى الإنترنت   
الخميس 1433/6/4 هـ - الموافق 26/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:04 (مكة المكرمة)، 13:04 (غرينتش)
جانب معرض الصحافة الفرنسية بباريس (الجزيرة)
بوعلام رمضاني-باريس
 
كل من يرتاد معرض "الصحافة في الصفحة الأولى.. من الغازيتا إلى الإنترنت" الذي تحتضنه المكتبة الوطنية فرنسوا ميتران بباريس حتى غاية شهر يوليو/تموز المقبل لا يساوره الشك بأن صناع تاريخ الصحافة الفرنسية التقليدية لم يكونوا أقل شأنا أو إبداعا من مبتكري الإنترنت وفيسبوك ويوتيوب وكل مظاهر الثورة الإعلامية الرقمية الحديثة.
 
ولا يملك الزائر وهو يتجول عبر أجنحة المعرض الاستثنائي إلا الانحناء لعطاء وتضحيات وإبداع رجال ونساء حرروا الكلمة، وأعلوا صوت الحق في التعبير الصحفي بوسائل تقليدية، وخاضوا المهنة في ظل ظروف مهددة للصحة، وأخرى سياسية قاسية قاهرة قادت رؤوس بعضهم إلى المقصلة.
 
وينفرد المعرض -الذي جذب التلاميذ والطلبة والمثقفين الشبان والكهول والمسنين الفرنسيين والأجانب العاديين- بدقة المقاربة التنظيمية التي زاوج أصحابها بين تاريخ الصحافة وحسن عرض وتوزيع المواد الصحفية المكتوبة، وإبراز الأخرى المصورة والمسجلة عبر أجنحة متوازنة ومدروسة بشكل يشبع كل حواس الزوار وشغفهم بتاريخ "صاحبة الجلالة".
 
المفارقة الجميلة واللافتة في المعرض تمثلت في تقديم تاريخ الصحافة الفرنسية على امتداد قرنين بوسائل تقليدية وحديثة في الوقت نفسه، وكانت الشاشات الكبيرة المثبتة على الجدران والأخرى الصغيرة -التي تتوسط الصحف والمخطوطات والمقالات والمسودات والصور الموضوعة في صناديق زجاجية واللوحات التشكيلية والملصقات- وسائل شرح وتأريخ مختلفة ومتنوعة، مكنت كل شرائح الجمهور الغفير من التوقف عند الوسيلة المفضلة استنادا للمزاج والميل والمستوى الفكري. 
 
ملصق معرض الصحافة الفرنسية (الجزيرة)
نضال البدايات
في جولته عبر المعرض، ينطلق الزائر من الجزء الأول المثبت يسار المدخل والخاص بتاريخ الصحافة الفرنسية المرادفة لنضال دائم من أجل حرية الصحافة، كما نص عليها إعلان حقوق الإنسان والمواطن عام 1789م، الذي أصبح أمرا واقعا اعتبارا من عام 1881. ويغطي الجناح المدة الممتدة من عام 1631 تاريخ ولادة الصحافة، إلى عام 2011 تاريخ توقف صدور صحيفة "فرانس سوار" الورقية ودخولها الإنترنت الذي اكتسح بيوت الفرنسيين انطلاقا من عام 1998.

" لاغازيت" كانت الصحيفة الأولى التي نشر منها تيوفراست رينودو يوم الثلاثين من مايو/أيار 1631 بفضل الكاردينال ريشليو ثمانية آلاف نسخة في أربع ورقات، وعرفت المسيرة تحولها التاريخي عام 1792 بصدور 500 صحيفة في باريس، وتميزت المرحلة برقابة حكومية أدت إلى إعدام الصحفي كامييه ديمولان في أبريل/نيسان 1794.

وتشير المعروضات إلى أنه رغم التضييق السياسي ارتفع عدد الصحف المنشورة حتى خارج باريس، وتسبب الملك شارل العاشر في توقف صحيفتي "لوناسيونال" (الوطني)  و"لوطو" (الوقت)، ووقتها لم يعد قمع الصحافة أمرا مجديا بعد أن أصبحت الثورة الفرنسية مكسبا نضاليا كرّس الحرية السياسية والحرية الصحفية بوجه خاص.

ويبين المعرض كيف شهدت المراحل اللاحقة تطورات مذهلة تمثلت في ولادة الكاريكاتير الصحفي عام 1834 والصحافة الجمهورية ومن بينها "الصحيفة"، التي نشر فيها شاتوبريان "مذكرات ما وراء القبر" ما بين 1848 و1850، وعرفت عهدها الذهبي بسحب 700 ألف نسخة من "لوبوتيه جورنال" (الصحيفة الصغيرة) عام 1882 قبل عودة الرقابة غداة اندلاع الحرب العالمية الأولى.

زائران يتأملان جانبا من معرض الصحافة الفرنسية (الجزيرة)

من القمة إلى الأزمة
يعرض المعرض القسم الثاني من تاريخ الصحافة الذي بدأ بأزمة أولى عرفتها فترة ما بين الحربين الأولى والثانية بسبب مزاحمة الراديو والتلفزيون اعتبارا من 1921 و1937 ونقص المواد الأولية وتصاعد الرقابة تحت نظام حكومة فيشي وترويج بعض الصحف للدعاية الألمانية.

وتزايدت الأزمة خلال فترة حرب الجزائر (1954-1962) بسبب عودة الرقابة على الصحف إثر التصويت على حالة الطوارئ، ودفعت صحيفة "فرانس إبزرفاتور" الثمن غاليا بمنع صدورها 16 مرة، ورغم المطاردة والرقابة والرقابة الذاتية استطاعت صحف "تمواناج كريتيان" و"لوموند" و"لكسبرس" التنديد بتعذيب الجزائريين باسم حقوق الإنسان.

بداية السبعينيات كرست التراجع النوعي الذي عرفته الصحافة مهنيا وسياسيا نتيجة دخولها أزمة دائمة تمثلت مظاهرها الأساسية في محاصرة الصحف الكاريكاتيرية اللاذعة إلى درجة منع صحيفة "هاراكيري" التي سخرت من وفاة الجنرال ديغول، وجاء صدور "شارلي أبدو" ردا على الإجراء الرسمي الذي يحد من حرية التعبير، واختتم مسلسل التأزم الصحفي العام بتوقف صدور صحيفيتي "باريس جور" وكومبا" عامي 1972 و1974.

واكتمل هذا التراجع في نهاية التسعينيات عام 1998 بتحول الإنترنت إلى مصدر إعلامي غير مسبوق انعكس سلبيا على الممارسة الصحفية التقليدية وبلغ تأثيره حد توقف صدور "فرانس سوار" بشكلها الورقي ونشرها عبر الإنترنت، اعتبارا من العام الماضي وبروز مفهوم المواطن الصحفي الناتج عن ممارسة مهنية أصبحت في متناول الجميع.

الجناح الثاني من المعرض أبرز الصحف والمجلات التي اشتهرت في القرن الماضي مثل "لوموند" و"ليبراسيون" "وفرانس سوار" و"لوباريزيان" و"لكسبرس" و"نوفال أبزرفاتور" و"ماريان" و"باري ماتش" و"لوبوان"، وعرضت كلها بصور مؤسسيها وأشهر صحفييها من أمثال جان دنيال وفرنسواز جيرو وجان جاك شرايبر وأوبيربيف ميري وكولومباني وبلينال وجان فرنسوا كان وجيزبار.

وعالجت هذه الصحف في مقالات مشهورة قضايا هزت الرأي العام مثل صور تعذيب العراقيين، ورسومات الصحيفة الدانماركية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم وهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وقضايا أخرى راهنت عليها رئاسات التحرير في الصفحة الأولى لضمان أكبر المبيعات.

وكما كان متوقعا تيمز الجناح الثالث والأخير للمعرض بخصوصية أكبر حيث كرّم المنظمون وعلى رأسهم برونو راسين مدير المكتبة الوطنية فرانسوا ميتران رجال الظل الذين صنعوا تاريخ الصحافة الفرنسية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة