فلسطين.. المثقف واستحقاقات التغيير   
الثلاثاء 1432/6/29 هـ - الموافق 31/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 21:55 (مكة المكرمة)، 18:55 (غرينتش)

محمود منير- الجزيرة نت

في الذكرى الثالثة والستين لنكبة فلسطين، تبقى الثقافة حائرة بين الحلم بـ"فلسطين التاريخية"، وواقع تحكمه جملة التحولات في المنطقة العربية التي تعيش ربيع الثورات، وما تعكسه على الصراع العربي الإسرائيلي.

"تحولات" ترتبط نتائجها بقدرة المثقف الفلسطيني على قراءة الواقع، وهي بمثابة اختبار فشل من قبلهم كثير من المثقفين العرب فيه خلال الأشهر الماضية.

وربما كان ارتباط المثقف العربي بسلطة بلاده يُماثل طغيان "الحمولة الأيديولوجية" على خطاب أغلب المثقفين الفلسطينيين، مما يشير إلى "اختبار مماثل" يواجه هؤلاء المثقفين كذلك.

الربيع العربي هو ربيع يقظة الشعوب العربية، والفلسطينيون جزء من الأمة العربية وتتوفر لديهم أسباب كثيرة لاجتراح ربيعهم الخاص"

أيديولوجيا واختبارات

المثقفون الذين انخرطوا في "حرب الإخوة" بين حماس وفتح، كُلٌّ وفق حمولته من الأيديولوجيا، يعودون اليوم لتأييد "المصالحة" بوصفها "ثمرة أولى" يقطفها الفلسطينيون من الثورات العربية.

والحديث عن "ربيع فلسطيني" يبدو مجازفة بالنظر إلى الأعباء المتزايدة التي يتحملها الفلسطيني اليوم، وكأن الثورات العربية تُعيد قضيته إلى "نقطة الأصل" عند الخامس عشر من مايو/أيار 1948، بل ربما أبعد من ذلك، لتصل إلى وعد بلفور في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1917.

ثلاثة وستون عاما طفحت بالخسائر والفقد، في حين أخفقت "حسابات الساسة" على اختلاف السياسات والسياسيين!

هذه الحسابات لا تتوقف مع انطلاق "مسيرة العودة" اليوم من "دول الطوق الأربع" والمخيمات في "الداخل الفلسطيني"، غير أن "الحساب" لا يلغي "الإحالات الرمزية" في نص جديد يُضاف إلى الملحمة الفلسطينية: "عائدون" من الخارج يواجهون أزمات معيشية وأخرى أعمق تلامس الهوية والوجدان، و"مقيمون" في وطن تحكمه "وعود أوسلو" ومُحتل يعبث بـ"بلاد لا يملكها"!   

الثورات والمثقف الفلسطيني
يقول القاص والكاتب محمود الريماوي إن "الربيع العربي هو ربيع يقظة الشعوب العربية، والفلسطينيون جزء من الأمة العربية وتتوفر لديهم أسباب كثيرة لاجتراح ربيعهم الخاص"

وفي ذكرى النكبة يرى الريماوي "عودة" الفلسطينيين إلى التطلع إلى أشقائهم العرب بوصفهم "إخوة وشركاء في المصير"، وأشاحوا بأبصارهم عن الحكام الذين يستعبدون شعوبهم، وأن الثمرة الأولى للربيع الفلسطيني تمثلت بوقف الانقسام بين فتح وحماس.

ويدعو صاحب "رجوع الطائر" إلى عدم الاكتفاء بـ"التعايش" بين الأطراف السياسية بل إطلاق دينامية الحالة الفلسطينية.

من مفارقات الزمان أننا، في فلسطين، صرنا متفرجين على الثورات والانتفاضات في العالم العربي، بينما نحن مكبلين بالاحتلال وبالسلطتين اللتين أنتجهما مشروع أوسلو"
أما الكاتب والباحث رسمي الجابري فيتحفظ على مفهوم "ربيع الثورات"، الذي يُراد له التذكير بما جرى في بلدان أوروبا الشرقية (القضاء على الأنظمة الشيوعية فيها بعد 1989)، وإن "أرادت له ذلك أطراف إقليمية ودولية"، وفق تعبيره.

ويضيف أنه "ما لم تأخذ الثورات أبعادها فإنه سيعاد إنتاج ما كان قائما، وعندها ستُحبط فرصة تاريخية أمام الفلسطينيين والعرب جميعا، إذ إن النظام الرسمي العربي يعيش أزمة منذ عام 1990، غير أن الولايات المتحدة استطاعت ضبطها، ويبدو الآن أن "تراجع" الدور الأميركي يمنح لهذه الثورات فرصتها التاريخية في تغيير الأنظمة العربية".

تبعية أم استبداد وفساد؟
بين رؤية ترى الثورات العربية "انفكاكًا" من التبعية للولايات المتحدة حسب الجابري، وبين رؤية تراها "خلاصًا" من استبداد وفساد الأنظمة العربية وفق الريماوي، فإن "مستقبل" فلسطين يرسمه مثقفوها مجددًا، على هدى رغباتهم!
 
مثقف فلسطيني يأمل أن تُفضي الثورات إلى تعزيز "قوى الممانعة" في المنطقة، بمواجهة مثقف آخر يتوقع "نهضة" القوى المهمشة في الشعب الفلسطيني ومنها الشباب والنساء والمخيمات لتقرير مستقبلها بنفسها!

وجهة نظر ثالثة يطرحها الشاعر والكاتب نجوان درويش بقوله "ما ننتظره هو تشكّل خارطة سياسية جديدة في المنطقة ومشروع عربي بإمكانه تصفية المشروع الصهيوني".
 
ويلفت إلى أنه "من مفارقات الزمان، أننا في فلسطين صرنا متفرجين على الثورات والانتفاضات في العالم العربي، بينما نحن مكبلون بالاحتلال وبالسلطتين اللتين أنتجهما مشروع أوسلو".

الانتظار الطويل
وفي سياق توجسه أن يتحول الانقسام الفلسطيني إلى "تقاسم" للسلطة بين فتح وحماس، يأمل الريماوي أن تدفع الحركات الشبابية في الضفة الغربية وغزة الوضع إلى مستوى أفضل يضمن تشكيل حكومة موحدة وفق برنامج توافقي لا يعني "تقاسم السلطة" حتمًا.

"آمال الريماوي" لا تفترض اقتراحات محددة على الشعب الفلسطيني، بل تنتظر أن تساهم قوى المجتمع المدني والشباب إضافة إلى الأطراف السياسية في تقرير شكل "النهوض المأمول": هل تتحرك المفاوضات مجددًا أم تنطلق انتفاضة ثالثة أم غير ذلك؟

في الجانب الآخر، ينظر الجابري إلى "المصالحة" على أنها تندرج في إطار تغير المحيط الإقليمي، وانتقال مصر من كونها "طرفا بين متخاصمين" إلى دور "الوسيط"، فأُنتج "زواج المنفعة" بين حماس وفتح، متمنيًّا أن تُعمّر المصالحة طويلاً.

"المستقبل الفلسطيني" في انتظار خروج سوريا من "المحنة"، كما يرى الجابري، مؤكدًا أن "النظام السوري بتحالفه مع تركيا وإيران سيتكامل مع مصر"، مما سيؤدي إلى عزل "إسرائيل" وإحداث "تحول عميق" في الصراع العربي الإسرائيلي.

وهذا "التحول العميق" تخلقه "الكتلة الحيّة" في المجتمع الفلسطيني، بحسب الريماوي، الذي يعقد رهانه على الشباب غير المنضوين تحت شعارات ومنظمات سياسية، مما يوفر لهم "الاستقلالية" و"قراءة نقدية" متأنية لواقعهم.

إرادة أخرى
ولا يفوّت الريماوي الفرصة لـ"نقد" المثقفين الذين عليهم "تجديد رؤاهم وسلوكهم"، فهؤلاء كانوا يؤمنون بأن التغيير ستصنعه التنظيمات السياسية، وعليهم اليوم أن يؤمنوا بأن "القوة الاجتماعية المستقلة"، التي تستقطب الناس الأكثر تضررًا من الاحتلال من النساء والشباب والمهمشين في المدن، هم من يملكون إرادة التغيير.

أما نجوان درويش فلا يرى أن ما يتداوله الإعلام يمت لـأولويات القضية الفلسطينية"، ويضيف: "المؤسف أن الإعلام العربي، فيما يتعلق بفلسطين، غارق في مصطلحات تضليلية تنشئ واقعًا سياسيًّا مزيفًا بدل مواجهة الواقع على حقيقته".

ويضيف درويش أن "حديث المصالحة" بين سلطتي فتح وحماس هو حديث مضلل والشارع الفلسطيني قابله بعدم اكتراث، إذ اعتبره الشارع بذكائه "ترميمًا لمشروع التسوية المتهالك وحلاً لأزمتي السلطتين في رام الله وغزة، وهما أزمتان بنيويتان بلا أفق".

وبكلمات قاطعة يلخص درويش الموقف: "شعار الدولة الفلسطينية أصبح فخًّا علينا مقاومته وما يسمى "النظام السياسي الفلسطيني" جزء من لعبة دولية لإنهاء القضية الفلسطينية، والدولة وفق ما هو مطروح الآن لا تصل إلى الحد الأدنى من تطلعات شعبنا في فلسطين المحتلة وفي أرض اللجوء.. إنها تخبطات "حركة وطنية" انتهت صلاحيتها". 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة