احتجاجات القادري بباكستان وعودة الجيش للسياسة   
الأربعاء 1434/3/4 هـ - الموافق 16/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)

أحمد السباعي

يبدو أن قطار الاحتجاجات والمطالبات بإسقاط الأنظمة ورحيل الحكومات والرؤساء ينتقل بسرعة البرق بين الدول، ومحطته هذه المرة كانت باكستان بقيادة رجل الدين محمد طاهر القادري الذي قاد عشرات آلاف المتظاهرين إلى العاصمة للمطالبة برحيل الحكومة وحل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة.

ومما زاد الوضع الحكومي صعوبة والمشهد السياسي تأزما، إصدار المحكمة العليا مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء راجا برويز أشرف في قضية فساد، ليُكسب هذا الحكم حديث القادري عن فساد السلطة الحاكمة تأكيدا من القضاء.

البداية كانت مع عودة القادري التي اختلف المتابعون على توصيفها بين المشبوهة والمدفوعة والطبيعية لرجل مارس العمل السياسي المعارض من قبل، ورغم مغادرته البلاد إلى كندا عام 2005 يقول مؤيدوه إنه بقي على تواصل مع أنصاره وبلده الأم عبر منظمة "منهاج القرآن الدولية".

واللافت في تصريحات القادري دعوته إلى تشكيل حكومة جديدة بالتشاور مع القضاء والجيش، مما آثار تساؤلات عن إمكانية أن تكون تمهيدا لعودة الجيش إلى السياسة.

العسكر والسياسة
هذا الأمر نفاه مسؤولون كبار في الجيش، معتبرين أن القوات المسلحة ليس لديها ما تفعله إزاء الأزمات السياسية الناجمة عن مسيرة القادري وقرار اعتقال رئيس الوزراء.

وأشار مسؤول أمني آخر إلى أن قرار الجيش البقاء بعيدا عن المسيرة المعارضة ينبع من حقيقة أن الحدث سياسي، ويمكن أن تكون هناك آثار سلبية في حال تدخله. وأضاف أن القول بأن الجيش يقف وراء المسيرة المعارضة أو وراء قرار المحكمة، مزاعم لا أساس لها.

المحكمة العليا أمرت باعتقال رئيس الوزراء الباكستاني على خلفية قضية فساد (الأوروبية)

وحذر محللون من أن يؤدي توقيت الحكم (لن يجبر رئيس الوزراء على التنحي) الذي تصادف دون قصد مع الاحتجاج، إلى زيادة الشائعات حول وجود مؤامرة من القضاء والجيش على الحكومة.

وذهب البعض إلى وصف حركة القادري الاحتجاجية بأنها مؤامرة من عناصر في الدولة -خاصة القوات المسلحة- بهدف تأخير الانتخابات وزرع الفوضى السياسية في هذا البلد النووي الذي حكمه الجيش على مدى عقود. 

ووصف المحلل السياسي الجنرال المتقاعد طلعت مسعود توقيت حكم المحكمة "بالغريب"، وقال إنه تزامن مع تصريحات القادري بأن القضاء عظيم والجيش عظيم، وهذا يزيد من عدم الاستقرار في البلاد، وبشكل ما يأتي كعامل مساعد على حل البرلمان.

عودة القادري
أما العودة "القوية" الشهر الماضي للقادري فيفسرها المتحدث الإعلامي باسم منظمة "منهاج القرآن الدولية" قاضي فيض الإسلام، بأن الفساد استشرى في البلاد وتحول إلى منظومة تشارك فيها الطبقة السياسية. وقال إن هدف مظاهرتهم جلب ديمقراطية حقيقية إلى بلاد تحكمها المحسوبية والسرقة ونهب المال العام، وتعهد بمواصلة الاعتصام حتى تحقيق المطالب.

وجدد فيض الإسلام في لقاء مع الجزيرة نت مطالباته برحيل هذه الحكومة "غير الدستورية"، ودعا إلى تغيير النظام الانتخابي وإعادة النظر في النظام السياسي وطريقة تشكيل الحكومات، خصوصا أن الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة تمارس دكتاتورية سياسية بلباس ديمقراطي، مشيرا إلى أنه يجب تشكيل حكومة بالتشاور مع الجيش والقضاء.

أنصار القادري تعهدوا بمواصلة
الاحتجاج السلمي حتى تحقيق مطالبهم (رويترز)

أما بشأن الجيش، فيعتقد فيض الإسلام بأن دوره محصور في حماية الوطن وحدوده لا حماية الحكومة والنظام، وعليه عدم التدخل بالسياسة أو لعب أي دور فيها، والوقوف على الحياد من الأحداث الجارية. وختم حديثه بأن اعتصامهم سلمي ولن ينحو نحو العنف، وهو مستمر حتى إسقاط الحكومة.

وعقب قرار المحكمة بحق رئيس الوزراء، تعالت صيحات الابتهاج من أنصار القادري الذين استعدوا لاحتجاج طويل وتزودوا بالطعام والأغطية. وقال صديق قريشي نائب القادري إن "هذا أول انتصار لنا.. سنبقى هنا حتى تلبى جميع مطالبنا".

في هذا السياق يقول المحلل السياسي زاهد حسين إن قرار المحكمة الدستورية استجاب لأحد مطالب القادري، متوقعا استمرار الاحتجاجات حتى الوصول إلى حل البرلمان. وأوضح أن عودة القادري في وقت تمر فيه البلاد بأزمة سياسية حادة، قد تشكل عامل توتير إضافيا.

وأضاف حسين للجزيرة نت أن القادري يملك شعبية لا بأس بها في الشارع ولديه قدرة على الحشد، وخير دليل على ذلك مظاهرة إسلام آباد التي قدرت السلطات حجم المشاركين فيها بين 25 و50 ألفا، مما يجعل منها أكبر احتجاج سياسي تشهده العاصمة منذ انتخاب الحكومة التي يقودها حزب الشعب الباكستاني عام 2008.

تساؤلات عن التمويل
أما الخبير الباكستاني في شؤون الجماعات الإسلامية عبد الغفار عزيز فاعتبر القادري شخصية مثيرة للجدل في صعوده الأكاديمي والسياسي، حيث ادعى في السابق "مقابلة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي طلب منه استضافته في باكستان".

عبد الغفار عزيز:
المسؤولون الباكستانيون والمتابعون يتساءلون عن مصدر الأموال الكثيرة التي بحوزة القادري، خصوصا أنه صرف نحو 10.2 ملايين دولار على اجتماع واحد لأتباعه في مدينة لاهور الشهر الماضي

وأضاف عزيز أنه يفضل لقب "دكتور" على الداعية الصوفي أو رجل الدين، كما أطلق على نفسه لقب "علامة وقائد الثورة وشيخ الإسلام"، وأوضح أن المتظاهرين ليسوا جميعهم من أتباع القادري الذي خلق جوا إعلاميا عن مكافحة الفساد والعدالة الاجتماعية استقطب به الناس.

ولفت إلى أن المسؤولين الباكستانيين والمتابعين يتساءلون عن مصدر الأموال الكثيرة التي بحوزة القادري، مشيرا إلى أنه صرف نحو مليار روبية (10.2 ملايين دولار) على اجتماع واحد لأتباعه في مدينة لاهور الشهر الماضي.

وقال عزيز للجزيرة نت إن بعض المحللين يقولون إنه أُرسل من الخارج ليقود "الحرب ضد الإرهاب" وتدعمه دعاية إعلامية ضخمة، مؤكدا أن "هذا البعبع سيختفي بعد أيام"، ورغم أنه ينسب لنفسه ولمظاهرته النجاح في هذه القضية، فإنها بدأت قبل ستة أشهر حينما كان في كندا، وعندما تتكشف تفاصيل هذه القضية سيظهر أنه ليس لديه أي يد فيها.

واستبعد أي دور لأميركا في إرساله، لكنها تستفيد من وجود هذه الأوضاع وتوجه الأمور حيثما تريد عبر استثمار القادري حسب مصالحها.

وخلص عزيز إلى أن فتوى القادري في موضوع الإرهاب سلطت الأضواء عليه وجعلته محط أنظار الإعلام الغربي، متسائلا عن أسباب مخاطبته بالإنجليزية للجاليات الباكستانية التي لا تتقن هذه اللغة، كما ألقى أكثر من نصف خطبته أمام المحتشدين قرب البرلمان باللغة الإنجليزية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة