عندما يموت أطفال الغوطة جوعاً ومرضاً   
الأربعاء 1435/2/23 هـ - الموافق 25/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:58 (مكة المكرمة)، 10:58 (غرينتش)
الجوع والمرض يفتك بأطفال غوطة دمشق الشرقية (الجزيرة)

سلافة جبور-دمشق 

لم يعلم السوريون أنه سيأتي عليهم يوم يموتون فيه جوعا، على خلاف العبارة الشهيرة التي طالما رددوها "ماحدا بالشام بيموت من الجوع". فمن معضمية الشام إلى غوطة دمشق الشرقية مروراً بمخيم اليرموك، أطفال ونساء وشيوخ أنهكهم الجوع لأيام وأسابيع طويلة فآثرت أجسادهم الاستسلام لموت بدا أرحم من جحيم البحث اليومي عن الغذاء.

ورغم أن نحو مائتي ألف سوري كانوا يعيشون تحت خط الفقر الغذائي عام 2010 حسب تقارير الإسكوا، فإن الموت جوعا لم يطرق باب السوريين سوى في هذا العام.

ولا يقتصر الأمر على الموت جوعاً بل إن الأمراض بدأت تفتك بعشرات آلاف المحاصرين في محيط دمشق وسط استحالة إدخال أي دواء أو مساعدات إنسانية. ومع صعوبة التوثيق وضعف التواصل في تلك المناطق، لم يُعرف بعد العدد الحقيقي لمن ماتوا جوعاً، أو برداً، أو مرضاً.

سوء التغذية
وعن الوضع في غوطة دمشق الشرقية يقول طبيب الأطفال من مدينة عربين، أبو ماهر، إن سوء التغذية أصبح شائعاً بين الأطفال وخصوصا من هم في سنواتهم الأولى، وكذلك لدى ذوي الاحتياجات الخاصة.

أطفال الغوطة يدفعون الثمن الأكبر
في حصار منطقتهم (الجزيرة)

ويضيف أبو ماهر للجزيرة نت، أن عدة وفيات حدثت بالفعل بسبب سوء التغذية، لكنهم لم يتمكنوا من توثيق جميع الحالات بسبب ضعف التواصل بين المراكز الصحية والأهالي.

وينذر الوضع الغذائي في الغوطة الشرقية بخطر كبير يتهدد السكان، حيث أصبح غذاء معظم الناس معتمداً فقط على الخضراوات أو السكريات أو البروتينات تبعاً للمواد الغذائية المتوفرة، كل ذلك وسط حالة فقر شديدة.

ولا تقتصر الوفيات على سوء التغذية، بل إن حالات الوفاة بسبب المرض الشديد باتت شائعة كذلك في الغوطة، وذلك بحسب أبو ماهر.

ويتابع أن نقص الأدوية وانتشار أمراض كالسل والحمى المالطية وصعوبة تشخيصها بسبب عدم وجود أخصائيين ومخبَريين وعدم توفر المواد الأولية اللازمة للتشخيص المخبري، أدى إلى تدهور وضع المرضى وحدوث بعض الوفيات.

ويذكر أبو ماهر تسجيل حالة وفاة قبل بضعة أيام لمريض أصيب بالتهاب الأغشية الدماغية أو ما يعرف بالتهاب السحايا، ولم يتمكن الأطباء من توفير العلاج المناسب له فتوفي بسبب اختلاجات لم يُسيطر عليها.

الطبيب أبو ماهر: لا دواء ولا وقود لتشغيل المشافي الميدانية. آلاف المرضى في الغوطة الشرقية اليوم ينتظرون المجهول، ولا شيء سواه

انتظار المجهول
ليس وحدهم الصغار من يعانون آثار الحصار، فكبار السن لهم نصيبهم أيضاً من المعاناة. مرضى القصور الكلوي ومرضى الضغط والسكري وغيرها من الأمراض المزمنة، يجدون صعوبة بالغة في تأمين الأدوية اللازمة لهم بصورة منتظمة مما انعكس سلباً على وضعهم الصحي، وذلك بحسب أبو ماهر.

"لا دواء ولا وقود لتشغيل المشافي الميدانية. ولا إمكانية للقيام بالكثير من الإجراءات الطبية الضرورية كغسيل الكلى. آلاف المرضى في الغوطة الشرقية اليوم ينتظرون المجهول، ولا شيء سواه. منذ عدة أيام فقدنا رجلاً مسناً بسبب عدم توافر الأدوية الخافضة للضغط،" يقول بأسى أبو ماهر للجزيرة نت.

ويروي لنا أبو ماهر قصة رنيم، (7 أعوام) التي أصيبت بارتفاع شديد بالحرارة مع تورم مفصلي استمر لأكثر من عشرين يوماً، مع محاولات الأطباء لعلاجها دون فائدة.

ويتابع "قمنا بإعطائها دواء بشكل اختباري لمعالجة التيفوئيد الذي أضحى مرضاً شائعاً في الغوطة لكنها لم تستجب للعلاج، وبسبب عدم توافر الوسائل التشخيصية اللازمة والمخبَريين الاختصاصيين وعدم وجود وسيلة لإخراجها إلى دمشق تطورت حالتها وبدأت تعاني تضخمات في الكبد والطحال".

ورغم نجاح أهل رنيم -بعد أكثر من عشرين يوما على مرضها- في نقلها إلى مشفى في دمشق بصعوبة بالغة وعبر وسائل خاصة، فإنها لم تتمكن من الصمود، وسلمت الروح لبارئها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة