ما أمد الصراع من أجل التغيير العربي؟   
الثلاثاء 1432/6/22 هـ - الموافق 24/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:21 (مكة المكرمة)، 13:21 (غرينتش)

جانب من مظاهرة معلمي تعز في ساحة الحرية  (الجزيرة)

تساءل الكاتب الأميركي لاري داياموند بشأن مدى فترة الاحتجاجات في الشرق الأوسط من أجل التغيير والتحول إلى الديمقراطية؟ وقال إن الصراع بين الشعوب الثائرة والحكام المستبدين لن ينتهي في فترة قصيرة، وإن جليد شتاء العرب بدأ بالذوبان منذ سقوط نظامي تونس ومصر.

وأوضح الكاتب -وهو عضو بارز في معهد هووفر ومعهد سبوغلي للدراسات الدولية, ومدير مركز تطوير الديمقراطية وحكم القانون في جامعة ستانفورد- في مجمل مقاله الذي نشرته مجلة فورين أفيرز الأميركية أنه يبدو أن جليد شتاء العالم العربي الذي استمر عقودا, قد بدأ أخيرا بالذوبان بعدما أطاحت المظاهرات الحاشدة بكل من الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في يناير/ كانون الثاني الماضي وبالرئيس المصري حسني مبارك في فبراير/ شباط.

كما يبدو أن الديكتاتوريين العرب الذين وصفهم بالفاسدين سيتهاوون الواحد بعد الآخر خلال ما يعرف بالربيع العربي, وأن هذا يذكر ما جرى لجليد شتاء دول شرق أوروبا عام 1989 حينما انهارت الديكتاتوريات هناك الواحدة تلو الأخرى, وكان من الممكن نهاية المطاف تخيل موجة من التحول الديمقراطي بالعالم العربي أسوة بالتحولات الإقليمية بسبعينيات القرن الماضي بكل من إسبانيا واليونان والبرتغال وما تبع ذلك بأميركا اللاتينية.

ربما لا توجد أزمة حاليا في كل من الأردن والمغرب, ولكن قد يواجهانها قريبا, بسبب الإحباط العميق وتفشي الفساد وانتشار البطالة إضافة إلى الظلم الاجتماعي والأنظمة السياسية المغلقة
حكام مستبدون
ولقد عانت كل موجة من موجات التحول الديمقراطي من الحكام الفرديين المستبدين ومن الانقسامات داخل المعارضة ومن التوجهات القومية المتشعبة, وفي حين هناك ما يدعو إلى التفاؤل الحذر في تونس، فإن الوضع في مصر يثير القلق العميق بسبب عدم رغبة الحكام العسكريين الذين يتولون السلطة في تسهيل عملية التحول الديمقراطي في البلاد, وذلك عن طريق خلق ظروف من شأنها المس بالديمقراطية والحط من قدرها, عن طريق غض النظر عن الخلافات أو الصراعات الدينية والطائفية وتصاعد مستويات الجريمة، وهو ما يراه العديد من المصريين جزءا من مخطط العسكريين لتدمير الديمقراطية قبل أن ترى النور ويشتد عودها.

ومن غير المرجح أن تساعد الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر/ أيلول القادم في التحول إلى الديمقراطية، فالقوى السياسية الجديدة لا توجد أمامها فرصة لتمكينها من تشكيل حزب قوي قادر على شن حملة انتخابية بالوقت المناسب.

كما أن الإخوان المسلمين أعلنوا أنهم سيتنافسون على نصف مقاعد البرلمان بعد أن كانوا أعلنوا أنهم سيتنافسون على ثلثها, وإذا ما بقي النظام الانتخابي على حاله فقد يحصلون على أغلبية مريحة من المقاعد (ربما 40% من مجملها) في حين تذهب البقية إلى بعض القوى المحلية والشخصيات القوية السابقة من الحزب الديمقراطي الوطني في حقبة مبارك.

وأما الأنظمة التي لا تستند إلى الشرعية فإنها لن تدوم, ففي سوريا أطلق الرئيس بشار الأسد عملية سفك دماء قد تستغرق أسابيع وربما أشهر بدعم قوي من إيران وقبول أميركي وإسرائيلي بدرجة ما. وأما في اليمن فالحكومة مشلولة وأسعار الغذاء في ارتفاع والبلد في سبيله للهاوية، في لحظة يحاول الرئيس علي عبد الله صالح فيها كسب الوقت بعدما شاهد ما جرى لمبارك. وأما في البحرين فقد اختارت الأقلية السنية الحاكمة, سحق الاحتجاجات السلمية واعتقال وتعذيب العديد ممن قد يتفاوضون معهم لاقتسام السلطة.

ولا توجد أزمة حاليا في كل من الأردن والمغرب, ولكن قد يواجهانها قريبا, بسبب الإحباط العميق وتفشي الفساد وانتشار البطالة, ناهيك عن الظلم الاجتماعي والأنظمة السياسية المغلقة، وهي نفس الظروف التي تسببت في الإطاحة بالحكام المستبدين في كل من تونس ومصر, مما دعا ملك الأردن عبد الله الثاني لتزعم حركة إصلاح ديمقراطي رغم قلة الأدلة على وجود رؤية لديه, أو الثقة السياسية بنفسه لقيادة بلاده في هذا الاتجاه.

ملك المغرب لم يبد رغبة في كبح جماح مصالح المرتشين المحيطين بالعرش وتحول الدائرة المقربة والضيقة من أنصاره  مما يزيد من عزلته ويعزز من قوة العاصفة السياسية التي تتجمع تحت سطح هادئ
مصالح المرتشين
وأما في المغرب, فإن الملك محمد السادس ما زال يحظى بالتبجيل في الداخل وينظر إليه كإصلاحي من وجهة النظر الدولية, ولكنه أضعف من ملك الأردن, ولم يبد رغبة في كبح جماح مصالح المرتشين المحيطين بالعرش وتركيز الثروة والمصالح التجارية بأيدي هؤلاء
, بينما تحول الدائرة المقربة والضيقة من أنصاره دون الموافقة على المطالبة بالمحاسبة والإصلاح , مما يزيد في عزلة الملك, ويعزز من قوة العاصفة السياسية التي تتجمع تحت سطح هادئ.

كما أن كلا من النظامين الملكيين اكتفيا بتشكيل لجان لدراسة الإصلاح السياسي دون التقدم نحو تغيير سياسي حقيقي, وهذه اللعبة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد, ومنذ سنوات والمفكرون العرب يقولون إن الأنظمة القمعية في المنطقة العربية, إما أن تنتهج سبيل الإصلاح الديمقراطي, أو تتم الإطاحة بها.

وأما أميركا فلم يسبق لها أن واجهت تحديات مجتمعة في العالم من حيث يوجد آفاق للتطور الديمقراطي إلى جانب وجود مخاطر حقيقية من صعود المد الإسلامي, بالإضافة إلى الاضطرابات السياسية والكوارث الإنسانية, وحيث لا يمكن للولايات المتحدة انتهاج إستراتيجية واحدة نظرا للاختلافات في البنى السياسية العربية وتنوع الظروف الاجتماعية.

ولكن توجد مبادئ عامة يجب تطبيقها على الجميع حيث على إدارة أوباما أن تشجب القمع العنيف للاحتجاجات السلمية, وأن تلحق القول بالفعل كما فعلت أميركا مع كبار مسؤولي النظام الليبي, وكما فعلت مؤخرا بتجميدها لأصول وأموال الرئيس السوري بشار الأسد, وكما يمكن لأميركا الضغط على مجلس الأمن الدولي من أجل إحالة هؤلاء الأشخاص إلى المحكمة الجنائية الدولية بسبب ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية.

كما على أميركا وأوروبا وقف تزويد السلاح للأنظمة التي توجه نيران أسلحتها ضد المتظاهرين أو تلك التي تستخدم قنابل الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية وبنادق القناصة ضد المحتجين, وبذلك تكون أميركا بعثت برسالة إلى زعيمي البحرين واليمن, مفادها أنه لن يكون بإمكانهما استخدام الأسلحة الأميركية لقمع المتظاهرين السلميين.

حقوق الإنسان
وعلى ضوء الحاجة الملحة للتوسط بين الأنظمة الديكتاتورية العربية ومعارضيها, فإن الأمم المتحدة هي الطرف المناسب, إذ يمكن لها أن تقوم بدور مهم في هذا السياق، وكما أن للدبلوماسيين الأميركيين دورا ليلعبوه في هذا السياق أيضا, وعليهم مناقشة حقوق الإنسان والمجتمع المدني والعملية الديمقراطية فضلا عن توفير المساعدات المالية والفنية، وهي أمور ساعدت في التحول الديمقراطي في دول مثل الفلبين وشيلي وبولندا وجنوب أفريقيا.


كما تمثل الانتفاضات العربية الحالية فرصة أمام السفراء الأميركيين للانضمام لممثلي الديمقراطيات الأخرى للضغط على الديكتاتوريين ومساعدة الديمقراطيين العرب.

وعلى الولايات المتحدة أيضا تقديم المساعدات المالية والفنية للديمقراطيات العربية وحثها على التوحد والتكاتف، دون إغداق الأموال الأميركية على تلك المجموعات، خشية الحط من قدرها واعتبارها ألاعيب بيد أميركا وخوفا من استشراء الفساد, وبدلا من ذلك يجب تقديمها من خلال المانحين الدوليين مع مراقبتها بعناية للتأكد من استغلال الأموال بطريقة ناجعة.

وأما ثقل مصر السكاني ونفوذها السياسي, فمن شأنه أن يجعل العالم العربي يقتفي أثرها ويتبع خطاها, ولذا فإن مشاركة مصر أمر حيوي لأي إستراتيجية أميركية لتعزيز الديمقراطية في العالم العربي, وحيث يجب على واشنطن إرسال رسالة واضحة للجيش المصري مفادها أن تقويض الديمقراطية عن عمد ستكون له عواقب وخيمة على العلاقات الأميركية المصرية، بما فيها المساعدة العسكرية, وأنها لن تسمح للعسكريين بلعب دور مزدوج كما فعل الجيش الباكستاني عن طريق الاختباء وراء المشهد الديمقراطي لحكم البلاد.


واختتم الكاتب بالقول إن فترة التغيير في العالم العربي قصيرة ولن تنتهي نهاية لطيفة, وستكون هناك موجات من المد والجزر خلال صراع طويل الأمد من أجل رسم مستقبل العالم العربي السياسي, وهناك حظوظ كبيرة للولايات المتحدة, ولم تكن الحاجة ماسة إلى المبادئ الثابتة والتفهم الواضح والتفكير الإستراتيجي بعيد المدى, أكثر مما هي عليه الآن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة