فيلم خرمة: عندما يكون الأموات مصدر الرزق   
السبت 27/12/1423 هـ - الموافق 1/3/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

يتناول فيلم المخرج التونسي الجيلاني السعدي "خرمة" الذي يلقى إقبالا جماهيريا كبيرا منذ بدء عرضه مؤخرا في تونس موضوعا غير مألوف، إذ يصور حياة سكان القبور وكيف يصبح الدعاء بكثرة الأموات الأمنية اليومية لهؤلاء الأشخاص الذين يعتمد عليهم رزقهم.

وخرمة هو اسم بطل هذا الفيلم الطويل الأول للسعدي، وهو شاب ساذج بسيط يتيم الوالدين يعيش تحت حماية بوخالب الحانوتي العجوز الأخرس الذين يكسب عيشه من غسل ودفن الموتى وتقديم الخدمات لذويهم في هذه المناسبات داخل حي شعبي بمدينة بنزرت في الشمال التونسي.

يجن بوخالب فيختار سكان المدينة خرمة ليخلفه رغم اعتقادهم بأنه أبله ساذج حيث يحاول خرمة أن يثبت أنه شخص مسؤول عاقل كما يحاول إثبات ذاته وممارسة سلطته عبر تلك المكانة البسيطة التي احتلها في الحي, بل ويثور على المعايير والمواصفات الاجتماعية وعلى احتقار مهنته التي يطالب باعتبارها مهنة ككل المهن الشريفة فيقابل بكثير من العنف.

وتلعب الكاميرا دورا جيدا في إبراز عالم بوخالب وخرمة وشركائهم المنتمين إلى العالم السفلي عالم المهمشين والمعدمين الذين يعيشون على فتات الموائد وما يتصدق به أهالي الموتى.

نجح المخرج في تجسيد شخصية هامشية تجمع بين الظرف والبلاهة والحكمة.. تثير تارة الضحك وأخرى البكاء, كما نجح في تصوير حالة الفقر المدقع الذي يعيشه بطل الفيلم الذي يتمتع بثراء روحي كبير لا يمنعه من اشتهاء النساء بقوة.

ويقول السعدي إن السينما عنده هي الفن الشعبي المستوحى من الواقع بما فيه من أحزان وأفراح وسخرية, موضحا أن الفيلم استحضار للطقوس الجنائزية التي عاشها في مرحلة الطفولة والتي خلفت لديه مزيجا من مشاعر الحزن والحب والمرح والضحك في الوقت نفسه.

وأجمع النقاد في تونس على أن جيلاني السعدي نجح في شد أنظار المشاهد إلى تلك الشخصية رغم سذاجتها وبساطتها، كما استطاع بطريقته السلسة تقديم صورة جميلة لا عن ذاته وآلام طفولته بل عن شخصيات تعيش في داخل كل واحد منا.. شخصيات تحيط بنا لكن لا أحد يدرك معاناتها اليومية ولا كوابيسها الليلية.

يذكر أن السعدي المقيم في فرنسا ولد عام 1962 في بنزرت (60 كلم شمال العاصمة) ودرس السينما في باريس, وسبق أن أخرج فيلمين قصيرين ناطقين باللغة الفرنسية بعنوان "مساومة ليلية" و"مقهى نزل المستقبل".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة