القرية التراثية وتراث البادية رحلة مع التاريخ القطري   
الخميس 1426/2/21 هـ - الموافق 31/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:57 (مكة المكرمة)، 10:57 (غرينتش)

من المواقع الأثرية في قطر

رافع محمد - الدوحة

من بين فعاليات مهرجان الدوحة الثقافي الرابع، تبرز زيارة القرية التراثية وتراث البادية أهم ما ينشده المتابع من لذة المعرفة والتلاقي مع التراث القطري، مصورا في ساحة واسعة بجوار الكورنيش مليئة بكل ما هو شيق وممتع.

 

على مقربة من حديقة البدع يفتح لك التاريخ صفحاته ويرحب بك على الطريقة العربية بمجرد أن تضع قدمك داخل القرية التراثية، كل المفردات والمرئيات تفوح بعبق التاريخ القطري، شوارع ضيقة وبيوت منخفضة، وشباب جالسون على مصاطب يسندون ظهورهم إلى حوائطها في ونسة بريئة ربما يقتنصونها من دائرة الحركة الحديثة التي تجرنا فيها آلة العصر الأخير.

 

أسواق متنوعة ودكاكين متلاصقة وصناع لا يكفون عن العمل اليدوي في صناعات تكاد تكون مندثرة في الحياة القطرية لهذا الآن، الفخار الذي يصنع من الصلصال آنية الشرب وتخزين الماء، والصفار الذي يقوم بتلميع الأدوات النحاسية، وصانع الحبال بين متينة قوية تصنع من شجر جوز الهند لتستخدم مع السفن التي كان لها دور في الحياة القطرية لتلك العصور، وأقل منها متانة تصنع من النخيل والليف لتستخدم في الحاجات المنزلية اليومية.

 

ثم حياكة الملابس ومنها البشوت للرجال وثوب النشت الذي كان النساء يلبسنه في المناسبات ومعها صناعة السيوف والمسابح.

 

البيوت مبنية من الطين الذي يلطف الجو لتناسب المناخ الشديد الحرارة في الخليج قبل اختراع المكيفات الكهربائية، كما كانت تناسب الشتاء حيث تبعث الدفء في محيط البيت.

 

وقد استخدم فيها التبن وهو الناتج عن ضرس أعواد القمح وغيره ليساعد في تماسك وصلابة الطين، مع أنهم كانوا يقومون بصيانتها بين الحين والآخر بإضافة طبقة جديدة من الطين لتعويض ما يتساقط منها في الأمطار الشتوية أو بسبب الرطوبة في الصيف.

 

لا زلنا في قصة البيوت حيث البساطة الشديدة على خلاف ما تشهده الحياة القطرية حاليا، ومفردات البيت قليلة، وسلم خشبي ضيق يصعد بك إلى السطح الخالي، ومصاطب بطول البيت ومجالس على الباب تساعد في التقريب بين الناس.

 

وفي بيت كبير قيل لنا إنه يشبه بيوت رجال القرية الأغنياء يشاهد المجلس الكبير في صدر البيت، حيث يجتمع الناس لما كان يجمعهم من شؤونهم العامة وما كان أكثرها لترابطهم الشديد، أو حل المشاكل وما كان أقلها لبساطة الحياة في سالف الأيام.

 

هناك غرفة مفردة وحدها أراد مصممو القرية أن يبرزوا فيها صورة من الحياة الاجتماعية للعهود الخوالي، وهي الخلة حيث كانت تخصص للعروس يدخل بعروسه فيها من بين غرف البيت الذي يجمع كل أفراد العائلة، وربما أخذوها من الخلوة الشرعية باعتبارها العقدة الوثيقة لتحقق الزواج.

 

وهناك غرفة أخرى أبرزها المصممون تسمى غرفة المطوِّعة، وهي التي تقوم بتحفيظ البنات القرآن الكريم وتعليمهن شيئا من القراءة والحساب، ويفخر القطريون بآمنة المحمود رائدة التعليم النسوي وقد تم تكريمها في مهرجان الدوحة الثقافي الثالث للعام الماضي 2004.

 

أما الأولاد فيأخذ لهم المطوِّع أي محفظ القرآن ركنا في المسجد الذي برز في زاوية بالقرية شديد البساطة بمئذنة متواضعة، ولكنه شديد الجاذبية يكاد يلتقطك بإشعاع روحي نابع من شعورك ببساطة تكاليف العبادات في الإسلام.

 

لا ننسى أن البيوت والغرف والمسجد مسقوفة جميعها بالخشب الذي كانوا يستوردونه من الهند في رحلات بحرية بالسفن كان النواخذة (أي قباطين البحر) لا يتوقفون عنها، ولا زال بعضهم حيا إلى الآن يحكون للأجيال ذكريات الماضي الحبيب إليهم.

 

وفي آخر القرية تجد بائع الخشب وأدوات البناء والتعمير وسائر المستوردات، وهو يشبه إلى حد كبير بصاحب الامتياز في التصدير والاستيراد، حيث كان يتمتع بثراء واسع يؤهله لتكاليف الرحلات البحرية والبيع للناس بالأجل في شأن لا يستغني عنه الإنسان في كل عصر.

 

وكان مهرجان الدوحة الثقافي الرابع لهذا العام قد افتتح بأوبريت موكب الفرح "القفال" عن عادات القطريين في استقبال السفن العائدة. 

 

التفت إلى المسرح يتوسط القرية وقد صمم على شكل سفينة البتيل تجمع القطريون ليسمعوا ما يشتهون من الأغاني الخليجية لمغنين وفرق قطرية ومن سائر دول الخليج وكانت الليلة للسعوديين.

 

لم أستطع أن أغادر القرية وقد وصلت إلى طرفها لما أني تعلقت بها، وكان لحسن حظي أنني عدت إلى شارع عرضت فيه الأطعمة القديمة، فأخذتني رائحتها الذكية أخذا، فكان أن انصرفت إلى تناول ما قدمته لي البائعة من مأكولات من أشهى ما تذوقته في حياتي وإن لم أعرف لها اسما أو وصفا، وإنما تركت لأحد مسؤولي القرية أن ينقد البائعة ثمنها على عادة الكرم القطري ثم يشرح لي مكوناتها.

 

فأما المرقوقة فهي الخبز مع الدجاج، وأما المفرومة فهي الرز مع الدجاج، وهنا الهريسة تصنع من القمح مع اللحم والمكبوس الخليجي الشهير من اللحم والأرز، كل هذا وأمامنا اللبن يخض ويحرك في القربة لاستخلاص الزبد، والخباز منصرف إلى فرنه المحفور في الأرض ليخرج لنا الخبز الطازج برائحة لا تقاوم.

 

وأما اللقيمات والقرص (أي الخبز الصغير المدور) فهذا تأخذه مع الإفطار، ودعت القطري لكن رائحة الخبز في أنفي فعدت إليه قائلا سآتيك في الصباح فضحك وهو يقرأ في عيني مأربي سأنتظرك على الإفطار.

 

على مقربة منها ومع نهاية البدع ودخولنا إلى الحديقة بجوار وزارة الداخلية القطرية تلقانا ساحة واسعة بسط فيها تاريخ وتراث البادية قريبة الشبه من القرية في ما يعرض من مأكول.

 

وبسط فيها مع ذلك السجاد والوسائد وترك معظمها فارغا لكن جذب نظرنا بيت الشعر (بفتح الشين) والشاي والقهوة الشعبية مصنوعين على الفحم والمنتدى الذي تنشد فيه الأشعار وقصائد النبط وتغنى بصوت بدوي مستطيل، وهنا تقام سباقات الخيول وهنا يسمر الناس حتى الصباح.

 

يقبل الناس على القرية التراثية وتراث البادية من بين فعاليات المهرجان إقبالا شديدا، حتى يضطر المسؤولون عن القرية إلى إغلاقها عصرا، ويستمر السمر حتى مطلع الفجر، ولهذا تصاعدت أصوات تطالب باستمرار القرية والبادية بعد المهرجان وطيلة العام على الأقل في عطلة نهاية الأسبوع.

_________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة