سقطت رافعة الحرم وبدأت مرحلة الحزم والمحاسبة   
الجمعة 5/12/1436 هـ - الموافق 18/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:26 (مكة المكرمة)، 14:26 (غرينتش)

الدمام-هيا السهلي

يبدو أن سقوط رافعة البناء العملاقة بالحرم المكي الأسبوع الماضي سيكون سببا لبدء مرحلة جديدة عنوانها المحاسبة والحزم ومراجعة الإجراءات الفنية، في بلد يشهد تطورا عمرانيا عموديا بعد عقود من الانتشار الأفقي، كما يرى مراقبون سعوديون.

وكان سقوط رافعة يتجاوز وزنها عشرة أطنان قبيل بدء موسم الحج لهذا العام تسبب في مقتل 111 شخصا وأكثر من 238 مصابا، ووفق نتائج التحقيقات فإن سبب الحادث هو تعرض الرافعة لرياح قوية، وهي في وضعية خاطئة ومخالفة لقواعد التشغيل.

ويقول الاقتصادي السعودي خالد الحارثي "بعد 45 عاما من مشروعات خطط التنمية في البعد الأفقي، تولي المملكة اهتماما يتنامى في البعد العمودي التنموي، وهذا النوع من التحول يتطلب الدقة في معايير الجودة والرقابة والمحاسبة".

وأشار إلى أن هذا التحول يحتاج لتقنيات مختلفة وإجراءات أمن وسلامة مغايرة لما اعتادت عليه الشركات السعودية طوال الفترة الماضية.

وقال الحارثي للجزيرة نت إن الإجراءات التي أعلن عنها الملك سلمان بن عبد العزيز في أعقاب الحادث تعني ضمنا "مطالبة قادة القطاعات جميعا في المملكة باعتماد معايير جديدة من الجودة العالية وأبعد من المتطلبات النظامية للأمن والسلامة".

انعكاسات القرار
وشملت القرارات الملكية دفع تعويضات مالية كبيرة للمتضررين من الحادث، وهو ما رأى فيه المراقبون إجراء من شأنه تخفيف آلام الضحايا ورعاية أسر من انتقلوا إلى رحمة الله تعالى.

الملك سلمان (وسط) يستمع لشرح حول ملابسات سقوط الرافعة بالحرم المكي الشريف خلال جولة تفقدية (الفرنسية)

ويقول الباحث السياسي عبد الله الشمري إن القرارات الملكية لها "انعكاسات سياسية محلية عميقة فهي تمنح الحكومة هيبة ومصداقية واحتراما وتُحيي الآمال ببدء مرحلة جديدة عنوانها تنفيذ قرارات صارمة وعملية وليست مجرد شعارات أو كلام، وتعطي مثالا عمليا على أن لا أحد فوق الشرع أو القانون كما أن مثل هذه القرارات دليل جدية وحسم لمحاربة الفساد والمحسوبية بعيداً عن المجاملات على حساب الوطن وحقوق الناس".

ويذهب الشمري إلى أبعد من التأثير المحلي للقرارات، مشيرا إلى أنه "بحكم أن الحادثة كانت في الحرم المكي الشريف وقبل أيام من بدء الحج فقد كان للقرارات ردود فعل لدى الرأي العام الإسلامي ومنحها قيمة دولية" إذ أن زيارة العاهل السعودي وكبار رجال الدولة لموقع الحادث ومصابيه والقرارات التي تلت الزيارة من شأنها أن تعزز "الصورة الجديدة للسعودية والقائمة على الحسم والحزم" ما يمنحها احتراما وتقديرا أكبر ويقطع أية أصوات مشككة ضدها.

ومع أن الكاتب السعودي والناشط الحقوقي عقل الباهلي قد أشاد هو الآخر بالإجراءات الملكية، فإنه يرى أن بعض تلك القرارات كان يمكن تأجيله وتركه للجهات القضائية "لأن القرارات ستؤثر على علاقة الشركة بالموردين ومقاولي الباطن والبنوك وأهم من هذا كله العاملين. وإذا اختلت العلاقة من الصعب إعادة الثقة. وبالتالي يصبح تنفيذ المشاريع الهائلة عليه علامات استفهام".

وشدد على ثقته بأن خادم الحرمين على علم بكل تلك المصاعب، قائلا إنهم ينتظرون قرارات تساعد في إعادة الطمأنينة لكل جهات التعامل "حتى يُعاقب المتسبب ولا يصاب من ليس له علاقة بالضرر".

آثار سقوط الرافعة العملاقة بالحرم المكي الشريف الأسبوع الماضي (الجزيرة)

وكان العاهل السعودي قد زار الحرم المكي الشريف في أعقاب الحادث برفقة ولي العهد الأمير محمد بن نايف وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وأمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، وأصدر عدة قرارات تضمنت وقف شركات بن لادن المسؤولة عن مشروع توسعة الحرم عن العمل والدخول في عطاءات حكومية ومنع مسؤوليها من السفر للخارج إلى حين انتهاء التحقيقات.

مصير الشركة
وتتولى شركات بن لادن مشاريع توسعة الحرم منذ عقود خلت، وتعد أكبر شركة إنشاءات في المملكة وتقدر أعمالها بما يزيد على 2.6 مليار دولار.

ويقول الحارثي إن القرارات الملكية  لن تضر "شركة كبرى مثل شركة بن لادن ذات التاريخ العريق على مستوى العالم في كل القطاعات الإنشائية، بل هي فرصة للانتقال لمستوى جديد من آليات وخطط النظم الرقابية ولمزيد من التدقيق لتطوير الإجراءات على طول دورة العمل كاملة".

ويرى أن ما جرى سيدفع شركة بن لادن وغيرها من الشركات السعودية "لمراجعة وتعديل دورة الإنتاج والاستفادة من تداعيات حادثة الحرم" مشيرا إلى أن بعض مواضع التحسين قد تم تجاوزها سابقا ولم تخضع لإجراءات تصحيحية مستحقة، وفق قوله.

ورغم التفاؤل العام، يقول الباهلي إن المحاسبة هي إحدى قواعد العدالة، لكن يجب أن تتم عبر آليات واضحة وأجهزة رقابة دستورية ونظامية، وإن التحقيق أساسي في مسار أي حادث حتى لو لم ينتج عنه وفيات.

ويتهم الباهلي -في حديثه للجزيرة نت- أجهزة في الدولة مهمتها مراقبة ومعاقبة الشركات المقصرة في تنفيذ المشاريع بأنها "في سبات عميق لأن كثيرا من محاولاتها فشلت بسبب الفاسدين الأقوياء، وربما تؤشر الإجراءات الحازمة للملك سلمان لمنهج جديد في المحاسبة وتفعيل الشعار الأممي (لا أحد فوق القانون)".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة