أوكرانيا تجدد ثورتها والشرارة شراكتها مع أوروبا   
الجمعة 1435/1/27 هـ - الموافق 29/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:26 (مكة المكرمة)، 11:26 (غرينتش)
عشرات الألوف احتجوا أمام مبنى رئاسة الوزراء يوم الأحد الماضي (الجزيرة)

محمد صفوان جولاق-كييف

تذكرك الاحتجاجات القائمة في أوكرانيا بأجواء الثورة البرتقالية قبل نحو تسعة أعوام، رغم اقتصارها بشكل رئيس على العاصمة كييف وبعض مدن الغرب، ورغم الفارق الكبير بين فئات وشرائح وزخم حشود ميادين الثورة من جهة، وميادين اليوم من جهة أخرى.

ومع ذلك، يعتبر المحتجون وقوى المعارضة أن ما بات يسمى بـ"الميدان الأوروبي" (نسبة إلى جميع شوارع ميادين الاحتجاج) هو ثالث أكبر ميدان احتجاجي تشهده البلاد، بعد ميدان الاستقلال عام 1991، وميدان الثورة عام 2004.

ويؤكدون أن قرار الحكومة تجميد مساعي الشراكة مع الاتحاد الأوروبي هو أكبر دافع لتحول الاحتجاج إلى ثورة عارمة، لأنه "سلب حلم الأوكرانيين بحياة كريمة مرفهة بعيدة عن الفساد والتسلط"، على حد وصفهم.

الصبر
نزلت الجزيرة نت إلى ساحة الاستقلال، وتحدثت إلى بعض المحتجين عن دوافعهم وسقف مطالبهم، و صبرهم على البرد والبعد عن البيوت، خاصة أن المئات منهم قدموا فعلا من أقاليم ومدن بعيدة.

أولغا (59 عاما) قدمت من مدينة لفيف (نحو 550 كلم غرب العاصمة)، ولا تزال معتصمة في ساحة الاستقلال منذ يوم السبت، رغم علامات التعب في جسمها وقسمات وجهها.

أولغا تصبر على البرد رغبة في مستقبل أفضل للجيل القادم (الجزيرة)

قالت أولغا إنها تريد أن تكون أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي، ولم تبد بالمقابل اهتماما بالسؤال حول الفارق بين الشراكة مع الاتحاد والعضوية فيه، معتبرة أن الشراكة الاقتصادية خطوة نحو التكامل والعضوية.

تحرك أولغا جسمها يمنة ويسرة لتخفف وطأة البرد، مؤكدة أنها مستعدة للصبر على صعوبة النوم على الساحة وفي برد العراء، لأن عزيمتها أقوى من عزيمة الشباب، فأنا "أعرف أكثر منهم خطر روسيا على أوكرانيا، ولا أؤمن بإمكانية النهوض في ظل تحكمها بنا، وأصلي ليبتعد مستقبل أبنائنا وأحفادنا عنها، ولنكون يوما جزءا من الاتحاد الأوروبي"، على حد قولها.

ويلمح سياسيو المعارضة وبعض المنظمين إلى أن كرة الثلج بدأت تتدحرج، وستكبر اليوم بالتزامن مع عقد الاتحاد الأوروبي قمة "الشراكة الشرقية" في العاصمة اللتوانية فيلنيوس، التي كان من الممكن أن تشهد توقع اتفاقية الشراكة والتجارة الحرة بين أوكرانيا وأوروبا.

ويعتبر سيرهي، وهو طالب جامعي وأحد المنظمين العاملين في القسم الإعلامي بالساحة، أن إضراب بعض الجامعات، أو إضراب بعض طلابها بأنفسهم، ثم دخولهم وعملهم في "الميدان الأوروبي" كفيل بتعزيز "الحراك الشعبي" ضد القرار الحكومي.

حرق الأخشاب للتدفئة في ساحة الاستقلال (الجزيرة)

ويرى مستشار الأمن القومي السابق لدى إدارة الرئاسة فياتشيسلاف شفيد أن إعلان الأحزاب إسقاط شعاراتها واتحادها مع بعضها، ودخول فئة الطلاب الشباب إلى الساحات، هو بمثابة أكبر تحول تشهده الاحتجاجات المستمرة منذ أسبوع.

ضعيف
ولكن شفيد يشير إلى أن حجم الحشود "ضعيف" وبعيد عن إمكانية التأثير، وتضخمه وسائل الإعلام الغربية أو الموالية والمتعاطفة مع المعارضة، مشيرا إلى أنه بلغ قرابة مائة ألف يوم الأحد الماضي، لكنه تراجع إلى بضعة آلاف بعد ذلك، والأيام المقبلة هي الوحيدة التي ستكشف عن مستقبله.

وقد تحولت أوكرانيا إلى ساحة صراع حقيقي بين روسيا والاتحاد الأوروبي، والوصف هنا من تصريح لرئيس الوزراء الأوكراني ميكولا آزاروف نفسه قبل أيام، فسر فيه قرار تجميد الشراكة، مؤكدا أن حكومته تحاول النأي بالبلاد عن هذا الصراع، الذي يتعلق بالموقع الجغرافي كما يتعلق بالاقتصاد.

ويتفق على وصف "الصراع" بعض رموز المعارضة أيضا، لكنهم يختلفون مع الحكومة حول وسائل حله، فيعتبرون أن المخرج هو في الشراكة مع الاتحاد الأوروبي حيث الإمكانيات والأسواق الأرحب، أما حكومة آزاروف فترى أن الأولوية هي إعادة العلاقات إلى طبيعتها مع روسيا التي تملك كثيرا من أوراق الضغط الاقتصادي على أوكرانيا.

وبهذا فإن أوكرانيا تقف أمام خيارين أحلاهما مُرّ، فإما بداية علاقات غير واضحة الأفق مع الاتحاد الأوروبي، أو الخضوع للضغوط الروسية والإبقاء على الاقتصاد مرتبطا معها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة