أزمة أوروبا.. أزمة رأسمالية وتكامل   
الجمعة 1432/11/17 هـ - الموافق 14/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 6:27 (مكة المكرمة)، 3:27 (غرينتش)

اليونانيون يحتجون على سياسة التقشف التي اضطر بلدهم إلى انتهاجها (الأوروبية-أرشيف)

أندرو داف

الأزمة الأوروبية هي أزمة رأسمالية وأزمة تكامل في نفس الوقت، فالركيزة الأساسية لأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية تقوم على أن فكرة التكامل القائمة على الوحدة بين دول أوروبا وشعوبها تجلب الاستقرار والازدهار بدل النزاعات والفقر. اليوم تواجه هذه القناعة اختبارا لم تواجهه من قبل.

ليس مطلوبا أن تكون يونانيا كي تدرك أن سعي قادة الاتحاد الأوروبي لصياغة السياسات الاقتصادية للاتحاد وفقا للنموذج الألماني إنما يدفع بالدول الطرفية في منطقة اليورو إلى حائط مسدود. فالاتحاد الاقتصادي والنقدي لم يكن يوما غايته تحويل بقية الدول إلى توابع لألمانيا، كما لم تكن تلك غاية ألمانيا كذلك.

ليس مطلوبا أن تكون يونانيا كي تدرك أن سعي قادة الاتحاد الأوروبي لصياغة السياسات الاقتصادية للاتحاد وفقا للنموذج الألماني إنما يدفع بالدول الطرفية في منطقة اليورو إلى حائط مسدود
"
ولهذا يبدو مستغربا أن نجد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يسعيان بقوة إلى تأسيس نظام "حوكمة اقتصادية" جديد لمنطقة اليورو، وهو توجه سيفاقم خطأ المركزية المفرطة.

ولهذا طُلب من رئيس المجلس هيرمان فان رومبوي أن يضع خطة لتشديد الضوابط الراهنة بحلول منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول. صحيح أن رومبوي فدرالي التوجه بفطرته، لكنه لا يملك القوة الكافية لمقاومة هذه التوجهات الرامية إلى تعميق التنسيق بين الحكومات الأوروبية، تمهيدا لإنشاء حكومة اقتصادية تديرها باريس وبرلين.

وبموجب المقترحات الجديدة لرومبوي، ستناط مهمة ضبط السياسات الاقتصادية لدول منطقة اليورو بالمجلس الأوروبي، على أن يتم ذلك بالإجماع وبعد التصويت عليها من قبل برلمانات الدول الأعضاء.

خطر داهم
في زمن الكساد، تتحول "القومية الشعبوية" التي تطل برأسها في أوروبا إلى خطر داهم. وكما هو معلوم، فإن المزاج السائد في أوساط البرلمانات الأوروبية منقسم وغير متحمس لإيجاد حلول مشتركة لأزمة الديون.

ومع اتساع نطاق التداعيات السياسية للأزمة، ستتحول معظم حكومات دول الاتحاد الأوروبي إلى تحالفات هشة وستقع فريسة لتقلبات السياسة المحلية البعيدة كل البعد عن المتطلبات الحقيقية لحفظ المصالح الأوروبي المشتركة.

يوما بعد يوم يتضح أن قادة الاتحاد الأوروبي عاجزون عن الاتفاق على حزمة إجراءات حوكمة اقتصادية تعيد الثقة في الأسواق وفي النظام الديمقراطي في المدى القريب. بل إن فرص نجاحهم في ترجمة مقترحاتهم إلى اتفاقية أوروبية جديدة في المدى البعيد تبدو بعيدة المنال، فضلا عن أن أي اتفاقية جديدة تحتاج إلى إجماع أوروبي.

أما الطريق البديل لتعزيز التنسيق المثمر والبناء بين الحكومات الأوروبية، فهو يكمن في تعزيز وتعميق التوجهات الفدرالية للاتحاد الأوروبي، وهو خيار يقع عبء تبنيه على عاتق المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي، اللذين بوسعهما وأد مقترحات فان رومبوي.

مع اتساع نطاق التداعيات السياسية للأزمة، ستتحول معظم حكومات دول الاتحاد الأوروبي إلى تحالفات هشة، وستقع فريسة لتقلبات السياسة المحلية البعيدة كل البعد عن المتطلبات الحقيقية لحفظ المصالح الأوروبية المشتركة
"
كان يتعين على رئيس البرلمان خوسيه مانويل باروسو أن يقدم في خطابه أمام البرلمان الأوروبي مؤخرا مسودة لإقامة اتحاد مالي توافق فيه دول منطقة اليورو على تقاسم ديونها.

الاتحاد المالي بحاجة إلى حكومة اقتصادية فدرالية. وعوضا عن توسيع الصلاحيات التنفيذية للمجلس الأوروبي، فإنه يتعين تمكين المفوضية الأوروبية من تنفيذ السياسات الاقتصادية المشتركة وتفويضها بإلزام الحكومات التي تحيد عن السوية المالية ومساءلتها أمام البرلمان الأوروبي.

اليوم بوسع البرلمان إظهار نضجه بأن يقر "حزمة القوانين السداسية" التي تشكل أولى لبنات الحكومة الاقتصادية الفدرالية، ومفوض الشؤون الاقتصادية والنقدية في الاتحاد الأوروبي أولي رين يجدر به أن يصبح وزيرا للخزانة، وأن يترأس اجتماعات وزراء مالية الاتحاد.

تعديل معاهدة برشلونة
إن إنشاء سوق كبيرة للسندات الأوروبية سيكون خطوة كبيرة، ويحسن بحزم الإنقاذ الوهمية التي رُكبت على عجل وفي حالة من الهلع أن تتحول إلى صندوق نقد أوروبي دائم.

وتتطلب كل هذه التغيرات تعديل معاهدة لشبونة في مؤتمر دستوري جديد يحضره أعضاء البرلمان الأوروبي، وأعضاء برلمانات الدول الأعضاء وحكوماتها والمفوضية الأوروبية.

إن خلاص أوروبا في السعي بصورة متدرجة إلى إقامة اتحاد مالي وحكومة اقتصادية فدرالية. ويجب أن يكون الجدول الزمني محددا وقصيرا.

نادرة هي الأوقات التي اضطر فيها الاتحاد الأوروبي إلى الاختيار بين علاجين أحلاهما مر، لأسباب ليس أقلها أن المملكة المتحدة لن تقبل أبدا الانخراط في هذا المشروع الطموح. لكن ذلك لا ينبغي أن يحرف باروسو عن مساره، فالاتحاد اليوم غدا على المحك.
_____________________________
أندرو داف عضو في البرلمان الأوروبي عن المملكة المتحدة ورئيس اتحاد الفدراليين الأوروبيين، وهو صاحب "الاتحاد الفدرالي الآن".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة