إغلاق مساجد فرنسا.. الخوف على الجمهورية الخامسة   
الثلاثاء 1437/2/26 هـ - الموافق 8/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:31 (مكة المكرمة)، 16:31 (غرينتش)

محمد البقالي- باريس

في سابقة غير معهودة في فرنسا، أصدرت وزارة الداخلية قرارا بإغلاق ثلاثة مساجد وقاعة للصلاة بتهمة نشر التطرف والتحريض على الكراهية، وأثار ذلك انتقادات تحذر من ضرب أهم أسس الجمهورية الخامسة وهو الحرية.

ويتعلق الأمر بمسجد في "سين أي مارن" في الضواحي الباريسية، تقول السلطات إنها حجزت فيه مسدسا وذاكرة حاسوب تتضمن دروسا "تحض على الجهاد"، وبمسجد في جينفيلييه في "أو دو سين" في الضاحية الشرقية لـباريس تقول الشرطة إنها ضبطت فيه أموالا لم تحددها وأسلحة بيضاء.

أما المسجد الثالث فيوجد في أربريل جنوب شرق فرنسا، وتشتبه السلطات في علاقة بعض القائمين عليه بشباب توجهوا إلى القتال في سوريا.

 جيسير: السلطات تدرك أن الإرهابيين ليسوا بالمساجد (الجزيرة)

فرنسا تتغير
ولم يكن القرار مفاجئا، فقد جاء في سياق أمني وسياسي متوتر ومطبوع بحالة الطوارئ التي فُرضت عقب هجمات الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، والتي مثلت إيذانا بأن فرنسا تتغير، وأن ما بعد الهجمات لن يكون أبدا كما كان قبلها.

وشنت السلطات أكثر من ألفين ومائتي مداهمة ليلية إدارية من دون إذن قضائي، ووضع المئات رهن الإقامة الجبرية، ومنع آخرون من السفر، وبدا أن جمهورية جديدة في طريقها للوجود لتولد "جمهورية الخوف".

لكن مناخ الخوف لم يحل دون تصاعد أصوات تحذر من أن الإفراط في استعمال حالة الطوارئ يوشك أن يهدم ركنا من الأركان التي قامت عليها الجمهورية الخامسة وهو ركن الحرية، خاصة بعد أن تبين أن عمليات الدهم لم تحقق الأهداف المتوقعة منها، فلا شبكات إرهابية فككت، ولا عناصر مطلوبة اعتقلت. 

وفي هذا السياق يقول مراقبون إن الأمر يتعلق أساسا بعملية إعلامية أكثر منها أمنية، الهدف منها التأكيد على نجاعة الأجهزة الأمنية وفعاليتها، ومن ثم بعث رسائل الطمأنة إلى الفرنسيين.
 
ويقول الخبير الفرنسي في العلوم السياسية فانسون جيسير إن "الأمر واضح، فأحداث الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني أثرت نسبيا في كفاءة الأجهزة الأمنية التي لم تتوقع الهجمات ولم تحل دون وقوعها، والحكومة الآن إنما تحاول إصلاح هذه الصورة لدى المواطنين من خلال عمليات الهدف منها تقديم أدلة إعلامية يراها المواطنون لتعويض هذا العجز".

ويشير إلى أن السلطات الأمنية تدرك تماما أن الإرهابيين يوجدون في مكان آخر غير المساجد، وأنهم لن يجدوا شيئا يذكر في أماكن العبادة التي سيداهمونها، لكن الأمر يندرج في سياق حملة إعلامية وسياسية تعزف على وتر تهدئة المخاوف، على حد تعبيره.

ولا يختلف موقف الخبيرة الفرنسية في المجال الأمني آن جوديتشيلي كثيرا، فهي لا ترى فائدة لمثل هذه القرارات باعتبار أن "الخطب التي تحض على الكراهية والانتقام تتم عبر شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، والذين توجهوا إلى سوريا للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية على سبيل المثال لم يقتنعوا بذلك عبر مساجد متطرفة ومعروفة للسلطات، بل عبر شبكة الإنترنت".

جاب الله: إغلاق المساجد مزايدات سياسية (الجزيرة)

ثمن مزدوج
وتتساءل جوديتشيلي في حديث للجزيرة نت "إذا كانت هذه المساجد فعلا خطيرة، فلم لم يتم اتخاذ هذا الإجراء من قبل؟"، والجواب بالنسبة لها يحيل على عملية سياسية ترغب من خلالها الحكومة في القول للناس "أنظروا إننا نغلق كل شيء، نقوم بالمداهمات، ولا ندخر فعلا أو جهدا من أجل الأمن".

وفي مخاطر هذه الحملات على النسيج المجتمعي بفرنسا، تؤكد جوديتشيلي أن "ما يحدث يعمق إحساس المسلمين بأنهم مشتبه فيهم حتى يثبتوا العكس"، ولذلك "يصبح المسلم في فرنسا مطالبا بإظهار كل الإشارات الخارجية التي تدلل على رفضه للتطرف والإرهاب". 

ويصف فانسون جيسير ذلك بأنه "الثمن المزدوج الذي يدفعه المسلمون"، فهم من جهة لديهم "مخاوف أمنية مثل بقية الفرنسيين من أن يكونوا هم الآخرون ضحية هجوم ما، وهذا قد حدث بالفعل إذ إن عددا من ضحايا هجمات باريس هم مسلمون، ثم إن عليهم أن يدفعوا ثمنا آخر لكونهم مسلمين يتمثل في ردود الفعل التي تخلط بينهم وبين الإرهاب".

من جانبه يقول رئيس المجلس الشرعي الإسلامي في فرنسا أحمد جاب الله إن هذا القرار المتعلق بإغلاق مساجد هو بمثابة "عقاب جماعي لكل المصلين"، مؤكدا أن الخطاب المتطرف يبرر محاسبة الشخص إن ثبت عليه ذلك ولا يبرر إغلاق المسجد.

ويحذر جاب الله في حديث للجزيرة نت من أن هذه الإجراءات "تأتي في سياق المزايدات السياسية بغية سحب البساط من تحت أقدام اليمين المتطرف"، معربا عن خشيته من أن يقع المسلمون ضحية هذه المزايدات.

لكن المؤشرات تشير إلى أن هذه "المزايدات" لن تنتهي، فالخبر الأسوأ خرج من صناديق اقتراع الدور الأول للانتخابات الجهوية التي جرت أمس الأول الأحد ومنحت اليمين المتطرف تقدما غير مسبوق في تاريخه بحصوله على المركز الأول.

ويؤشر ذلك على أن المزاج السياسي الفرنسي يجنح إلى أقصى اليمين أكثر فأكثر، وهذا يعني أن "العمليات الأمنية التي نفذتها الحكومة لم تكن كافية، فالشعب يريد المزيد بحسب المقولات اليمينية المتطرفة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة