قاعات الأعراس بكابل.. وفرة في بلد الندرة   
الثلاثاء 15/6/1435 هـ - الموافق 15/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 0:57 (مكة المكرمة)، 21:57 (غرينتش)

المحفوظ الكرطيط-كابل

في الشارع المؤدي إلى مطار كابل الدولي، تلفت نظر الزائر المباني المتناثرة على جانبي الشارع بأحجام وأشكال مختلفة معظمها بواجهات لافتة من الزجاج أو النحاس، وأسماء لا يخطئ المتحدث باللغة العربية أنها قاعات للأعراس لأن أسماء أغلبها المكتوبة بلغة الداري "صالون عروسي".

وفي باقي أحياء كابل توجد عشرات قاعات الأعراس، ورجح مسؤول إداري بإحداها أن يصل العدد إلى نحو 300 قاعة، كلها شيدت بعد حقبة حكم حركة طالبان (1996-2001).

وخلال تلك الفترة كانت الأعراس تتم في أجواء محاطة بنوع من التكتم وخالية من صخب الموسيقى وباقي أشكال البذخ السائدة حاليا. وبعض تلك الحفلات كانت تتم في قاعات أفراح تابعة لفنادق أقيمت في مرحلة سابقة، بينها فندق إنتركونتيننتال الذي شيد عام 1966.

فقر وبذخ
وتعكس الوفرة الحالية في عدد قاعات الأعراس إحدى مفارقات المجتمع الأفغاني، إذ تبلغ تكاليف ليلة حفلة زفاف في إحدى تلك القاعات الفخمة نحو مائة ألف دولار، في بلد يعيش نحو 30% من سكانه تحت عتبة الفقر ويبلغ عدد العاطلين فيه نحو أربعة ملايين.

ويقدر المعدل العام لتكاليف العرس في كابل بنحو 20 ألف دولار، ويصل أحيانا عدد المدعوين إلى نحو ألف شخص، لكنه قد يرتفع إلى نحو أربعة آلاف.

ويقدر المسؤول الإداري في "قاعة دنيا للأعراس" عبد الباري وحيدي تكلفة الشخص الواحد في القاعة بين 5 و10 دولارات، لكنها في بعض الحالات تصل إلى 20 دولارا.

ويعزو وحيدي في حديث للجزيرة نت ذلك الفرق إلى تفاوت الطلب حسب القدرة المالية لكل عائلة، وإلى كون بعض الأسر تضطر أحيانا -لاعتبارات اقتصادية- إلى تنظيم بعض فقرات العرس في منازلها أو بالاستعانة ببيوت الجيران.

أموال إعادة الإعمار انعكست على المباني ومظاهر الحياة بالعاصمة الأفغانية (الجزيرة نت)

وقد تحولت قاعات الأعراس وتنظيم الحفلات إلى شبه نشاط اقتصادي قائم بذاته يدر مداخيل يسيل لها لعاب وزارة الاقتصاد والمالية التي تفرض ضرائب على أرباح أصحاب القاعات، بعضها يحصل مباشرة بعد الحفل ويبلغ 5%، أما الضريبة على الأرباح السنوية فتصل إلى 20%.

ورغم أن أنشطة تلك القاعات تشكل مصدرا ماليا لخزينة البلاد فإن الحكومة ما فتئت تدعو المواطنين -وخاصة الأوساط الميسورة- إلى تفادي البذخ في الأعراس، ولإقناع الناس بذلك تذكّر بتعاليم الإسلام التي تنهى عن التبذير.

وتسعى الدولة لوضع قوانين تنظم الأعراس لتفادي الإنفاق الكبير، وتقول إن ذلك يضر بتوازن الحياة الاستهلاكية في البلاد، حيث إن الاستهلاك المبالغ فيه يتسبب بخلل في المعروض من بعض المواد الغذائية، خاصة أن افغانستان تعتمد بشكل كبير على الاستيراد.

الروح القبلية
لكن لا يبدو أن المساعي الحكومية ستحد من تهافت الكثيرين على تنظيم حفلات زفاف مبهرة في ظل التنافس المحموم بين العائلات والانتشار السريع لثقافة المظاهر وطغيان الروح القبلية في تنظيم الأعراس، وهو ما يفسر الأعداد الكبيرة للمدعوين.

كما أن الظروف العامة في العاصمة باتت تغري ذوي الإمكانيات المالية بالاستمتاع بتلك اللحظات الاحتفالية العائلية التي كانت شبه مفقودة في ظل عقود طويلة من غياب الاستقرار والأمن.

ويقول عدد من سكان كابل الذين تحدثت إليهم الجزيرة نت إن المدينة لم تشهد أي هجوم مسلح على أي حفلة في تلك القاعات التي يحرص أصحابها على توفير الخدمات الأمنية لزبائنهم.

وإلى جانب الاستقرار الأمني النسبي وعدم استهداف المسلحين لتلك الحفلات، فإن الإقبال الكبير على تنظيم أعراس باذخة يفسر أيضا بظهور طبقة ميسورة نسبيا بعضها استفاد بشكل أو بآخر من مليارات الدولارات التي تدفقت في إطار الجهود الدولية لإعادة إعمار بلد عانى طويلا من ويلات الاقتتال والتدخل الخارجي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة