كسب الحرب ضد داء السل   
الأربعاء 29/6/1437 هـ - الموافق 6/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 19:13 (مكة المكرمة)، 16:13 (غرينتش)

ملفين سانيكاس*

يحارب الإنسان داء السل منذ العصر الحجري، لكن تم إحراز تقدم حقيقي ضده في القرن الماضي فقط. وهناك لقاح استخدم لأول مرة عام 1921 ولا يزال قيد الاستخدام في جميع أنحاء العالم اليوم. وقد أثبتت سلسلة من المضادات الحيوية -بدءا بالستربتوميسين عام 1940- فعاليتها في علاج الالتهابات.

منذ العام 1990 تم خفض عدد الوفيات بسبب مرض السل إلى النصف سنويا تقريبا. وفي الفترة بين عامي 2000 و2014، أدى التشخيص والعلاج الأفضل إلى إنقاذ نحو 43 مليون شخص. ومع ذلك فقد تباطأ التقدم كثيرا، مما يشير إلى أن المعركة لم تنته بعد. وكان الانخفاض السنوي في عدد الحالات على مدى العقد الماضي مجرد 1.65%، وفي العام 2014 قتل السل 1.5 مليون شخص.

في الوقت نفسه، ظهرت سلالات للمرض مقاومة للعلاج. وقد نتج عن سوء استخدام وإدارة المضادات الحيوية مقاومة للأدوية المتعددة. ويجب أن تعالج هذه السلالات بأدوية الخط الثاني وهي أكثر تكلفة، وغالبا ما تتسبب في آثار جانبية أسوأ. كما ظهرت سلالات مقاومة لأدوية الخط الثاني، تعرف باسم مقاوم لأدوية داء السل على نطاق واسع (XDR-TB).

ونظرا للعبء الاقتصادي الهائل والمعاناة الإنسانية على نطاق واسع الناجمة عن داء السل، هناك حاجة ملحة إلى جهد شامل لمعالجة هذا المرض.

وفي سلسلة من المقالات بالمجلة الطبية البريطانية "لانسيت"، أعطى أستاذ الصحة العالمية والطب الاجتماعي في كلية الطب بجامعة هارفارد سلمان كيشافجي الخطوط العريضة لإستراتيجية التغلب عليه.

كيشافجي ومجموعة من علماء السل والأطباء ونشطاء المنظمات الحكومية وغير الحكومية والمستشفيات والجامعات، حددوا لأنفسهم هدفا بخفض عدد وفيات داء السل إلى الصفر وإيجاد التدابير اللازمة لتحقيق ذلك.

على العاملين في مجال الرعاية الصحية تكثيف الجهود لمنع حدوث إصابات جديدة بالسل وعلاج حالات جديدة بسرعة

جمع البيانات
وتتجلى الخطوة الأولى في تكثيف جمع البيانات. ويختلف وباء السل -مثل تلك الأمراض المعدية الأخرى- حسب المنطقة الجغرافية. ونتيجة لذلك، ينبغي أن تكون جهود القضاء على هذا الوباء حسب الظروف المحلية. وعلى برامج مكافحة السل المحلية الاستفادة بشكل أفضل من البيانات الموجودة، وتوسيع الجمع الروتيني، وتحديث أنظمة تخزين البيانات، وتطوير البنية التحتية التحليلية اللازمة لقياس آثار التدخلات المحلية.

ويجب جعل هذه النتائج متاحة داخل البلد الذي تم فيه جمع البيانات، كما يجب أن تكون الدروس المستفادة مشتركة مع الدول والمناطق المجاورة.

وعلاوة على ذلك، على العاملين في مجال الرعاية الصحية تكثيف الجهود لمنع حدوث إصابات جديدة وعلاج حالات جديدة بسرعة. ومن خلال البحث عن الضحايا والتعامل معهم بسرعة حتى لا ينتشر الوباء، يمكن كسر سلسلة انتقال داء السل. وقد أثبت التقييم التجريبي والنمذجة الرياضية فعالية هذه الإستراتيجية. وفي الوقت نفسه، يجب بذل الجهود للسيطرة على مشاتل استنبات المرض، والعدوى الكامنة التي هي تقريبا مصدر كل حالة جديدة من حالات السل. ويمكن للبكتيريا السلية التي تسبب المرض أن تبقى نائمة لفترات طويلة، حيث لا تبين الضحية أيا من أعراض العدوى.

كما يمكن لاستهداف داء السل في هذه المرحلة وقف انتشار البكتيريا والحد من العبء العالمي للمرض. ومن شأن طرح العلاجات الوقائية لفائدة السكان المعرضين للخطر وتطوير اختبارات تشخيصية لتحديد أفضل لتلك الالتهابات بدون أعراض، أن تفرغ كل خزانات الصرف من البكتيريا.

أي جهد للقضاء على مرض السل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أن هذا المرض متجذر في أوساط الفقر والتهميش الاجتماعي

فقر
إن لتطوير لقاح أكثر فعالية أكبر الأثر على هذا الوباء. ويُعطى لقاح "عصيات كالميت غيران" للرضع في أجزاء كثيرة من العالم، ولكن فعاليته ضد مرض السل الرئوي متغيرة بدرجة كبيرة، لذلك لا بد من لقاح حاسم وأفضل للقضاء على هذا المرض على الصعيد العالمي.

وأخيرا، فإن أي جهد للقضاء على مرض السل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أن هذا المرض متجذر في أوساط الفقر والتهميش الاجتماعي. فمنذ منتصف القرن العشرين الماضي، أكدت الجهود العالمية لمعالجة داء السل الحلول الطبية الحيوية، وركزت على علاج تفشي المرض. ولكن، قبل تطوير المضادات الحيوية، ينبغي إدخال تحسينات في مستويات المعيشة قد تساعد على الحد من تأثير مرض السل.

إن إدماج مقاربة طبية حيوية مع التركيز على أهمية التغذية الجيدة، والسكن اللائق، ورفاهية الإنسان، سيساهم بالضرورة في القضاء على هذا المرض بصفة نهائية.

يجب على المجتمع الدولي العمل معا وترجمة المعارف والإستراتيجيات القائمة إلى تدخلات برنامجية فعالة في المجتمعات التي تعاني الأكثر من مرض السل.

ومن خلال تطوير أدوات جديدة ولقاح فعال، بما في ذلك التشخيص السريع وعلاج آمن وأقصر لعدوى داء السل، فإننا بتعزيز النظم الصحية وتحسين الظروف المعيشية للسكان المعرضين للخطر، سيمكننا القضاء على أحد أقدم الأمراض الفتاكة في تاريخ البشرية.. عندها فقط سنكون قادرين على وضع مرض السل -بعد طول انتظار- في كتب التاريخ.
_______________
*  زميل الصحة العالمية في مؤسسة بيل وميليندا غيتس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة