واشنطن بين رحيل صدام ونزع أسلحته   
الثلاثاء 1423/11/19 هـ - الموافق 21/1/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

تبدو السياسة الأميركية تجاه العراق ثابتة لم تتغير كثيرا مذ قررت إدارة الرئيس الجمهوري جورج بوش وضع الملف العراقي على رأس أولويات سياستها الخارجية، غير أن خطاب الإدارة الأميركية تأرجح كثيرا على ما يبدو لإقناع حلفاء واشنطن وخصومها بخطر الرئيس العراقي صدام حسين وضرورة اتخاذ إجراءات ضده.

جورج بوش
ففي خضم الحرب الأميركية على أفغانستان وبينما كان العالم منشغلا بتداعيات هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 دعا الرئيس الأميركي بغداد للسماح بعودة مفتشي الأسلحة الدوليين للتحقق مما إذا كانت بغداد تقوم بإنتاج أسلحة غير تقليدية.

بوش تجنب آنذاك التلويح باتخاذ تدابير عسكرية لإرغام الرئيس العراقي على فتح أبواب بلاده من جديد للمفتشين، وقالت واشنطن إنها غير مستعدة لفتح جبهتين في وقت واحد، لكنها حذرت بغداد من أن إصرارها على رفض عودة المفتشين قد تؤدي إلى شن حرب عليها.

تجنبت واشنطن التعرض لدعوات ضرورة تغيير النظام القائم في بغداد واكتفت في تلك المرحلة بالحديث عن عودة المفتشين للتحقق من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل.

لكن لهجة واشنطن أخذت بالتصاعد وفي مرحلة لاحقة وصف بوش الرئيس العراقي صدام حسين بأنه "خطر كبير" يجب منعه بالقوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة، وتعهد باستخدام القوة العسكرية مع الرئيس العراقي إذا "تعدى الحدود" أو ضبط متلبسا بتطوير أسلحة دمار شامل، لكنه جعل تهديده فضفاضا إذ لم يدع إلى إزاحته عن السلطة.

وتيرة التصريحات الأميركية تصاعدت باضطراد وبدأت واشنطن تدعو علنا إلى ضرورة تغيير النظام العراقي برمته، واعتبرت وجوده بأسلحة أو بغير أسلحة تهديدا للأمن في المنطقة.

لكن التعاطف الدولي الذي حازته الولايات المتحدة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول لم يعد مجديا عندما تناولت الملف العراقي ولوحت بالتدخل لتغير النظام. الاعتراضات الدولية أرغمت واشنطن على التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لإعادة حشد تحالفها القديم ضد العراق، ونجحت بعد سلسلة مفاوضات.

وواجهت واشنطن معارضة قوية في هذا الاتجاه خصوصا من بعض دول المنطقة التي رأت في تغيير النظام العراقي على يد دولة أجنبية خطرا على أنظمتها هي أيضا، وبدأت هذه الدول في ممارسة ضغوط شديدة على حكومة الرئيس صدام للقبول بعودة المفتشين الدوليين تجنبا للحرب.

واستجابة للضغوط والوساطات وافقت بغداد على عودة غير مشروطة للمفتشين لإفشال المخطط الأميركي الرامي إلى إقناع العالم برفض العراق هذه العودة وبالتالي وجوب توجيه ضربة عسكرية له.

ورغم الموافقة العراقية شككت واشنطن في ذلك وأصرت على استصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يجبر بغداد على قبول عودة المفتشين ويتيح اللجوء لتحرك عسكري ضد العراق إذا منع أو عرقل عمل المفتشين. لكن دولا أعضاء بالمجلس رفضت أن يتضمن القرار الجديد أي تهديد باستخدام القوة واشترطت اللجوء مرة أخرى إلى المجلس إذا تمت عرقلة عمليات التفتيش من جانب الحكومة العراقية قبل القيام بأي عمل عسكري.

تأرجح الموقف الأميركي
وفي الآونة الأخيرة تغيرت لهجة واشنطن إذ اعتبرت في بعض الأحيان أن قبول الرئيس صدام نزع أسلحته بالطرق السلمية يعني انتفاء الحاجة إلى الحرب، لكنها رفعت في الوقت نفسه شعار تحرير الشعب العراقي.

وبينما يرى جانب من صناع القرار الأميركي أن قبول الرئيس العراقي نزع أسلحته لا يغير من مساعي الإطاحة به وإبعاده إلى المنفى رأى الرئيس الأميركي جورج بوش قبل يومين أن صدام حسين إذا استجاب لجميع مطالب الأمم المتحدة بنزع سلاحه فهذا يعني أن النظام قد تغير.

دونالد رمسفيلد في مؤتمر صحفي بالبنتاغون إلى جانب رئيس هيئة الأركان الأميركية ريتشارد مايرز
وكانت تصريحات الرئيس الأميركي أقوى إشارة حتى الآن إلى استعداد الولايات المتحدة قبول بقاء صدام في السلطة إذا نفذ مطالب الأمم المتحدة بنزع أسلحته. ولكن من الواضح أن وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد لا يشارك رئيس إدارته الرأي إذ صرح مؤخرا بأن وزارته بحثت على مدى الأسبوعين الماضيين مرحلة ما بعد سقوط نظام الحكم الحالي في العراق وكيفية إدارة البلاد أثناءها.

وأكد رمسفيلد أن عدة دول أبدت استعدادها للمشاركة في أي عمل عسكري على العراق إذا تقرر استخدام القوة وأن الحديث عن قيام واشنطن منفردة بذلك غير صحيح. واعتبر الوزير الأميركي أن الخيار الدبلوماسي انتهى بالنسبة للعراق الذي يشكل -على حد قوله- خطرا كبيرا.

كما أعلن وزير الخارجية الأميركي كولن باول مؤخرا أن الولايات المتحدة تعتقد أنه سيتم بحلول نهاية يناير/ كانون الثاني الجاري إثبات أن العراق لا يتعاون مع مفتشي الأمم المتحدة، وهو ما اعتبره محللون تصلبا في الموقف الأميركي الرامي إلى إثبات عدم تعاون العراق مع مفتشي الأمم المتحدة حتى لو أثبت تعاونه.

وأوضح باول أن الولايات المتحدة ستتصرف دون الحاجة إلى تبني قرار ثان من مجلس الأمن إذا تأكد الجميع أن العراق ما زال يمتلك أسلحة غير تقليدية أو يسعى لإنتاج أسلحة جديدة من هذا القبيل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة