لويس بونويل.. سينما هندسة الأحلام   
السبت 7/10/1435 هـ - الموافق 2/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:03 (مكة المكرمة)، 9:03 (غرينتش)

نزار الفراوي-الرباط

يُعدّ المخرج الإسباني لويس بونويل (1900-1983) علامة فارقة في تاريخ السينما العالمية، بجرأته غير المسبوقة في تجريب الأشكال وتجديد المضامين، معتدا بمرجعياته الفلسفية والفكرية والجمالية العميقة، وانتسابه الأصيل إلى جماعة السرياليين بمنحاهم الانقلابي الجذري في مساءلة القيم السائدة والأشكال التقليدية في علاقة الفن بالحياة والمجتمع.

ورغم أن قامة بونويل توارت طيلة سنين عديدة في خضم نقاش المرجعيات على صعيد الفن السابع وفلسفته ووظيفته، إلا أن دوائر التفكير في اللغة السينمائية الحديثة تشهد انبعاثا لاهتمام حثيث بتراث هذا الراحل الكبير، وانكبابا على كشف أدواته السردية الخطيرة التي حملت معاول هدم مختلف أشكال السلطة القهرية السياسية والاقتصادية والأيديولوجية.

مواكبة لهذه الحياة الجديدة التي كتبت لتراث بونويل، خصصت المجلة المغربية للأبحاث السينمائية، التي تصدرها جمعية النقاد السينما في المغرب، ملف عددها الأخير لهذا السينمائي الفذ، صاحب الفيلم الشهير "سحر البورجوازية الخفي"، ضم مقالات بالعربية والفرنسية في السيرة الإبداعية لبونويل.

المجلة المغربية للأبحاث السينمائية خصصت ملف عدد أبريل/نيسان لبونويل (الجزيرة)

لوركا ودالي
في مقال تحت عنوان "في الحاجة إلى سينما بونويل"، اعتبر الناقد السينمائي المغربي حمادي كيروم، أن لقاء المخرج بالشاعر غارسيا لوركا والرسام سالفادور دالي الذي كتب معه نص فيلم "كلب أندلسي"، أغنى إلى حد كبير حياته الفكرية والوجدانية. بل إن تاريخ الثقافة الإسبانية الحديثة يتوقف مليا عند اللقاء الظاهرة الذي جمع لوركا وبونويل ودالي وأيضا رفاييل ألبيرتي في مجمع الطلبة بمدريد.

غير أن اللقاء بجماعة السرياليين من أمثال أندري بروتون وأراغون سيفتح أمام المخرج آفاق الإشباع الفكري والأخلاقي والقناعة الثورية المنفلتة من كل عقال نظامي التي أطرت أعماله على مدى نصف قرن من العلاقة مع الكاميرا.

يتكون عالم بونويل، وفق كيروم، "من الخيال والحلم والعبث والجنون والتوهمات والهذيان، يستعمل التناقضات بين الأشخاص والأشياء لتتحول إلى معارضة وتمرد وثورة ضد الظلم والاستبداد، يبني عالمه اللاعقلاني بعيدا عن الاعتباطية من اللامعنى واللاأخلاق. يفضل الاسم على الفعل، تكتسي الأحلام في أفلامه واقعية مبتذلة. يعتمد السخرية والهزل والباروديا والمزاح والهجاء والنقد اللاذع الهدام. يتهكم بوقاحة وقلة أدب واحترام من كل الرموز السلطوية".

لا التزام إلا بنقد النظام السائد ومصادمة المسلمات الكسولة. التزام رافقه بشكل حثيث هوس بتحطيم أشكال السرد الفيلمي والعلاقات بين العناصر الفنية للعمل السينمائي. يكتب حمادي كيروم  في هذا السياق "لقد عمل بونويل على هدم البناء القصصي للحكاية الفيلمية ودمر منطق الأحداث والوقائع وقام بتغريب الروابط والعلاقات بين الأشياء، وفجر الزمن الكرونولوجي وتطوره المنطقي".

الغموض صفة تماهت مع مشروع بونويل وأبعدته عن شعبية جماهيرية محتملة لكنه يتبناها، لا كأداة أو غاية، بل بوصفها منتسبة إلى غموض أكبر هو غموض الكون الذي لا يمكن التعبير عنه وفق الناقد إلا بفن غامض وحساسية غير عقلانية.

نقد البورجوازية
يحدد الناقد السينمائي المصري أمير العمري مصادر تشكيل رؤية بونويل الفكرية والفنية في مجموعة عناصر من بينها البيئة الإسبانية بخلفياتها الثقافية الزاخرة بالأساطير والأدب الخيالي وعوالم ثيربانتيس ولوحات غويا وقصائد لوركا، وصولا إلى مخاضات الحرب الأهلية الإسبانية التي شارك فيها بونويل إلى جانب الجمهوريين.

وساهم في هذه الرؤية أيضاً ازدهار الحركة السريالية المبشرة بنظام مضاد للوضع السائد ومتمرد على الواقعية والكلاسيكية اللتين كانتا تتنازعان موقف الفن من المجتمع والتاريخ.

كما تأثر بونويل بمنجزات مدارس التحليل النفسي، وهو الذي راهن على الأحلام والأفكار المتشظية والصور المتداعية غير المنضبطة لمنطق مسبق. ومن جهة أخرى، بدا المخرج الإسباني في حالة استفزاز دائمة تجاه الطبقة البورجوازية بتقاليدها الشكلية الزائفة ومؤسساتها، وفق العمري.

أفلام بونويل التي أخرجها في فرنسا والمكسيك منعت من العرض في إسبانيا طوال عهد الجنرال فرانكو، لكون الرقابة اعتبرتها منافية للأخلاق العامة وهدامة اجتماعيا

وليس غريبا إذن أن أفلامه التي أخرجها في فرنسا والمكسيك منعت من العرض في إسبانيا طوال عهد الجنرال فرانكو، لكون الرقابة اعتبرتها منافية للأخلاق العامة وهدامة اجتماعيا. 

وتوقف العمري في مقاله عند فيلم "سحر البورجوازية الخفي" الذي كتبه بالاشتراك مع السيناريست الفرنسي جون كلود كاريير، معتبرا أنه يجسد الرؤية الشاملة لبونويل للعالم ويحتوي كل مفرداته السينمائية.

والفيلم الذي يعود إلى عام ١٩٧٢ يفكك اختلالات الطبقة البورجوازية ومظاهر النفاق السائدة فيها ويرفع القناع عن واجهة السعادة الخادعة، من خلال قصة ستة أفراد، ثلاثة رجال وثلاث نساء، يفشلون دائماً في إنجاح موعد للالتئام حول مائدة عشاء. وقد حاز أوسكار أحسن فيلم أجنبي.

إسباني مكسيكي فرنسي
في ورقة بعنوان "استتيقا السينما السريالية"، يميز الناقد المغربي محمد شويكة بين ثلاث مراحل عبرتها القافلة السينمائية لبونويل. تميزت المرحلة الإسبانية باللقاء مع سلفادور دالي والاشتغال سويا على فيلم "كلب أندلسي" و"العصر الذهبي" وتلاهما فيلم وثائقي بعنوان "أرض بلا خبز"، وهي مرحلة ترسخ لدى المخرج الوعي بالتوجه السريالي.

بدأت المرحلة الثانية برحلته إلى المكسيك قادما إليها من الولايات المتحدة والتقائه بالمخرج الروسي المقيم هناك أوسكار دانسيجيريس الذي أنتج له كل أفلام المرحلة ومنها "الكازينو العظيم" (1947)  و"العربيد الكبير" (1949) و "المنسيون" (1950) و"روبنسون كروزو" (1954).

قال بونويل في مذكراته التي حملت عنوان "نفسي الأخير" "لو أخبرت أن عشرين يوما بقيت لي لأعيشها. لاخترت أن أعيش عشرين ساعة في اليوم في عالم الحلم

في هذه المرحلة، وبالرغم من الضغوطات الإنتاجية، طور بونويل لمسة أكثر فنية في استبطان توجهه السريالي وإدماجه جزئيا في النسيج الفيلمي، ولو من خلال مشهد، لقطة، ديكور أو أكسسوار، يقول محمد شويكة. 

أما المرحلة الفرنسية فقد دشنها لقاء بونويل مع السيناريست الفرنسي جون كلود كاريير في فيلم "يوميات خادمة" (1964) التي جسدت دورها النجمة الفرنسية جان مورو، وتلاه فيلم "حسناء اليوم" (1967) من بطولة النجمة الفرنسية كاترين دونوف وصولا إلى فيلم "الشيء الغامض للرغبة"
(1977) الذي يشتغل على تراجيديا وجنون الحب لدى الإنسان. 

ويخلص شويكة إلى أن بونويل سعى في مشروعه السينمائي إلى أن يجعل من السريالية قوة تصورية ليصبح فن السينما أكثر قدرة على إخراج ما هو كامن في الواقع، مراهنا على الشاعرية والحلم اللذين يجعلان الإنسان يتجاوز شروط الملموس وتشرنقاته، مما أكسب أفلامه القدرة على تجاوز زمانها ومكانها.

قال بونويل يوما "أنجز أفلامي بضمير مرتاح. لم أتنازل قط عن قناعاتي السياسية أو الأخلاقية". كما قال أيضا في مذكراته التي حملت عنوان "نفسي الأخير" "لو أخبرت أن عشرين يوما بقيت لي لأعيشها. لاخترت أن أعيش عشرين ساعة في اليوم في عالم الحلم". هذان التأملان يجمعان قطبي الرؤية الفنية لبونويل.. الالتزام النقدي كمبدأ، والحلم كمصدر للإلهام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة