مشاركة المسلمين في الانتخابات البريطانية..واجب   
الاثنين 1422/3/13 هـ - الموافق 4/6/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


الدوحة - الجزيرة نت

أثار الكاتب الإسلامي فهمي هويدي في مقاله الأسبوعي  بصحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم موضوعا حيويا يرتبط بفقه الواقع ويفتح الباب أمام الاجتهاد المستنير, بدلا من الجمود والتمترس خلف ظواهر النصوص والاجتهادات المرتبكة التي تتحول إلى فتاوى جامدة تلحق الضرر أكثر مما تجلب المنفعة.

وتحت عنوان "واجب الوقت مشاركة المسلمين في الانتخابات البريطانية" اختار الكاتب الحديث عن المشاركة في الانتخابات البريطانية القادمة بسبب ما قرأه في صحيفة الشرق الأوسط عن دعوة إلى مقاطعة الانتخابات تبناها اثنان من المسلمين المقيمين هناك.

دعوة غريبة
يقول هويدي إن أحدهما ابتدع شيئاً اسمه "المحكمة الشرعية" وترأسها، والثاني اخترع كياناً آخر باسم "جماعة أنصار الشريعة" وتحدث باسمه. قال الأول في ما اعتبرته الصحيفة "فتوى" ذكر فيها أن مفهوم التوحيد "هو أفراد العبودية لله وحده، أي أن الله هو الذي ينفرد بحق التشريع وليس مجلس العموم البريطاني". أضافت الفتوى أنه "يكفر من يصوت لرجل يشرع، ويكفر من يشارك في التشريع البريطاني. أما الذي غرر به أبناء الجالية المسلمة، وكان جاهلاً، فيعذر بجهله، وإن أصر فإن الجهل بالشرك لا عذر فيه". من ثم فإن صاحب الفتوى دعا المسلمين إلى عدم المشاركة في ما أسماه بالانتخابات "الجاهلية" سواء بالتصويت لصالح الأحزاب البريطانية، أو الترشيح باسمهم في الانتخابات النيابية المقبلة.


المطلوب  من المسلمين الموجودين في بريطانيا وفق هذه الفتاوى أن يظلوا إلى الأبد خارج دائرة الحياة السياسية، مهمشين ومعزولين، عاجزين عن الدفاع عن حقوقهم
أما صاحب جماعة أنصار الشريعة، فقد نقلت عنه الصحيفة قوله: إنه لا ينبغي للمسلم أن يبيع دينه من أجل وثيقة سفر أو جواز بريطاني أو غير ذلك من الأغراض الدنيوية الرخيصة. ثم نسبت إليه أنه دعا المسلمين في المسجد الذي يخطب فيه شمال لندن إلى عدم المشاركة في الانتخابات البريطانية.

ويستنتج هويدي من هذا القول أن المطلوب من المسلمين الموجودين في بريطانيا أن يظلوا إلى الأبد خارج دائرة الحياة السياسية، بحيث يبقون أقلية مهمشة ومعزولة، عاجزة عن الدفاع عن حقوقها، أو حماية نفسها من خلال أي منبر عام.

ويقول هويدي: كان يمكن أن يتجاهل المرء هذا الكلام، سواء لتهافته من الناحية الفقهية، أو لمحدودية تأثيره من الناحية العملية، إلا أنني رجحت كفة مناقشته في العلن لأسباب.
ويمضي هويدي قائلا: فكرة مقاطعة الانتخابات تستند بالدرجة الأولى الى حجة أن الأنظمة لا تطبق شرع الله، وهي حجة تثير مسألتين، إحداهما في تحديد المقصود بشرع الله، والثانية في ما إذا كانت الأنظمة مطالبة بتطبيق شرع الله أم لا.

ويوضح الكاتب في المسألة الأولى: الذي أفهمه أن شرع الله ليس فقط مجموعة القوانين أو الحدود، لكنه كل ما شرعه الله لتنظيم حياة الخلق في عباداتهم ومعاملاتهم. ولذلك فالقول إن بعض الأنظمة العربية لا تطبق شرع الله يعوزه الدقة، وغاية ما يقال بحق تلك الأنظمة إنها لا تطبق كل شرع الله، من ثم فالقول بمقاطعة الانتخابات التي تجريها تلك الأنظمة العربية لا يستند إلى سند صحيح.

أما في المسألة الثانية فإنه يتعين التفرقة بين دولة يمثل المسلمون أغلبية فيها، وأخرى يعد المسلمون فيها أقلية لا يملكون فيها قراراً. وفي مثل هذه الدول الأخيرة لا تطرح مسألة تطبيق شرع الله إلا في حدود دوائر المسلمين أنفسهم.


يصبح من العبث القول في بلد كبريطانيا بأن الله هو الذي يشرع وليس مجلس العموم البريطاني، وأنه يكفر من يصوت لرجل يشرع، ويكفر من يشارك في التشريع البريطاني
وعلى هذا يرى هويدي أنه يصبح من العبث القول في بلد كبريطانيا بأن الله هو الذي يشرع وليس مجلس العموم البريطاني، وأنه يكفر من يصوت لرجل يشرع، ويكفر من يشارك في التشريع البريطاني، وهو عبث يقترن بدرجة عالية من الهزل والذهول عن الواقع.

فتوى ابن تيميه
وأورد هويدي فتوى شيخ الإسلام ابن تيميه في جواز تولي بعض الولايات في دولة ظالمة (وهو ما ينطبق على الدولة التي لا تطبق شرع الله جزئياً أو كلياً) إذا كان من شأن ذلك تخفيف بعض الظلم، أو تقليل حجم الشر والفساد، فرد على السؤال بما نصه:
"نعم، إذا كان مجتهداً في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه، وولايته خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره. كما ذكر: فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك، بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل -إذا تركه- بما هو أفضل منه. وقد يكون ذلك واجباً عليه إذا لم يقم به غيره. فنشر العدل بحسب الإمكان ورفع الظلم بقدر الإمكان فرض على الكفاية، يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه، ولا يطالب -والحالة هذه- بما يعجز عنه من رفع الظلم" (مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ـ جـ3 ص 356).

ويعلق هويدي على الفتوى قائلا: لقد استخدم ابن تيمية عقله الكبير، ووازن بين المصلحة والمفسدة في هذه الحالة. لم يقل كما قال أصحابنا إما كل شيء أو لا شيء، إما أن يطبق شرع الله في بريطانيا أو يخاصم المسلمون التصويت والترشيح، وإن فعلوا ذلك صنفوا كفاراً والعياذ بالله. ولكنه اعتبر وجود المسلم في موقع من ذلك القبيل من شأنه تخفيف بعض الظلم، أو تقليل حجم الشر والفساد، ومن ثم فهو مفيد للمسلمين في كل الحالات.

فتوى القرضاوي

إن إجازة المشاركة في حكم بلد إسلامي, تتحول إلى واجب في غير البلدان الإسلامية، خصوصاً في البلاد الديمقراطية التي لا تتوفر فيها الحماية للناس إلا من خلال القانون والمؤسسات القائمة
ثم أورد عددا من الاجتهادات في هذا المجال لشيوخ الإسلام من القدامى والمحدثين كالإمام العز بن عند السلام والشيخ يوسف القرضاوي الذي سار على نهج أولئك الأئمة الكبار، كما جاء في الجزء الثالث من كتاب "فتاوى معاصرة" (ص 425) .

ويخلص هويدى في نهاية مقاله إلى القول: لقد تحدث القرضاوي في فتواه عن المشاركة في نظام حكم في بلد مسلم، وما نحن بصدده حالة أخف من ذلك بكثير، باعتبار أننا نناقش مشاركة المسلمين في نظام حكم لبلد غير مسلم لا وجه لإلزامه بتطبيق الشريعة. ذلك أن إجازة المشاركة في الحالة الأولى كما ذهب القرضاوي تتحول إلى واجب في الحالة الثانية، خصوصاً في البلاد الديمقراطية التي لا تتوفر فيها الحماية للناس إلا من خلال القانون والمؤسسات القائمة، لذلك لا تجوز مخاصمة تلك المؤسسات أو مقاطعتها لأن من شأن ذلك إلحاق ضرر محقق بمصالح المسلمين، هو نتيجة طبيعية لانكفائهم وعزلتهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة