القرني: لا برنامج لإسلاميي السعودية   
الأحد 1432/11/13 هـ - الموافق 9/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 11:28 (مكة المكرمة)، 8:28 (غرينتش)

عوض القرني: الإسلاميون السعوديون لا يمتلكون خبرة سياسية (الجزيرة نت)

حاوره/ ياسر باعامر

عرف عن الداعية عوض القرني بأنه مهندس "البيانات الإصلاحية" في السعودية منذ ما يزيد على العشرين عاما، وهو رجل يحمل كاريزما سياسية وقيادية واسعة على مستوى التيارات الإسلامية في الداخل والخارج جعلت النظام المصري السابق يوجه له تهمه دعم ما يعرف إعلاميا بقضية "التنظيم الدولي للإخوان المسلمين" ليصدر بحقه حكم غيابي بالسجن خمس سنوات على خلفية غسل أموال التنظيم في الثامن من يناير/ كانون الثاني من العام الجاري.

وفيما يلي حوار خاص بالجزيرة نت يتناول عدة ملفات داخلية وخارجية طرحناها على القرني، فبدا مباشرا في بعضها ومارس أسلوب الرد الدبلوماسي في بعضها الآخر. 

العديد من الخطوات الإصلاحية تم إنجازها لكن الصورة العامة لوضع الإصلاح في البلد ما زالت بعيدة عن ما يتمناه كثير من محبي هذا البلد
اتهمت إبان النظام المصري السابق في قضية التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وحكم عليك غيابيا بالسجن خمس سنوات. إلى أين وصلت قضيتك، وما الإجراءات التي ستتخذونها خاصة بعد سقوط نظام مبارك؟

إلى الآن لم يجد جديد في القضية من الناحية الرسمية في مصر، وأيضا لم يجد شيء من جانبي، فأنا أنتظر سقوط قانون الطوارئ لأتخذ بعد ذلك بعض الخطوات الإجرائية في هذا الاتجاه، وهذا الحكم الظالم الجائر هو بعض ضريبة حبنا لمصر وقيامنا ببعض واجبنا في نصرة الشعب الفلسطيني وكشف الدور القذر الذي كان يقوم به النظام العميل البائد في إبادة الشعب الفلسطيني والتمكين للمشروع الصهيوني.

جرت تسريبات تناقلتها المواقع الإلكترونية من أنكم تعرضتم لضغوط شديدة غير معلنة من قبل الحكومة السعودية بناء على هذه القضية. ما صحة ذلك؟

لا صحة لذلك على الإطلاق.

وهل حدث تواصل سابق أو لاحق بشأن هذه القضية من قبل المسؤولين السعوديين؟

نعم اتصل بي عدد من المسؤولين السعوديين بصفتهم الشخصية في بداية القضية يؤكدون تضامنهم الشخصي معي، ويذكرون أنهم مقتنعون بكذب النظام المصري، ويؤكدون أنه لا يمكن على الإطلاق التعاون مع هذا النظام في هذه القضية، وأعطى الضوء الأخضر لجميع وسائل الإعلام لتبني الدفاع عني وبعد سقوط النظام البائد بادر بعضهم لتهنئتي.

دكتور عوض، كنت من مهندسي البيان الإصلاحي الشهير في عهد الملك الراحل فهد، وانطلقت مع عودة الملك عبد الله من الرحلة العلاجية العديد من المطالب التي جاءت تحت عناوين ليبرالية وإسلامية. كيف تقيم تعامل الحكومة السعودية مع قضايا الإصلاح الداخلي خاصة مع من يقول بفشل سلسلة الحوارات الوطنية التي بدأت منذ عام 2003؟

أولا، لا أوافق الرأي القائل بفشل الحوار الوطني، بل قد حقق نجاحا نسبيا. ثانيا المتأمل في مسيرة الإصلاح السعودية منذ بيان المطالب ثم مذكرة النصيحة قبل عشرين سنة يظهر له أن العديد من الخطوات الإصلاحية قد تم إنجازها لكن الصورة العامة لوضع الإصلاح في البلد ما زالت بعيدة عن ما يتمناه كثير من محبي هذا البلد من أبنائه ومن غيرهم.

القرارات التي صدرت أخيرا لا تغير كثيرا في وضع المرأة وأنه لا محذور فيها من الناحية الشرعية
أكثر التقارير عدت قرار الملك السعودي بتمكين المرأة في مجلسي الشورى والمجالس البلدية، بأنه نجاح للمفاهيم الليبرالية وناشطيها، ونكسة واضحة للإسلاميين، الذين وقفوا ضد السماح لإعطاء المرأة حقوقها المشروعة، والدليل على ذلك أدبياتهم المختلفة الممانعة لذلك، كيف تعلق على ذلك؟

بداية أرى أن من الإجحاف تصوير الأمر بهذه الكيفية، فهذه القضايا متعددة وليس الموقف منها واحدا لا من الإسلاميين ولا من الليبراليين، لكن المؤكد أن في الساحة صراعا متعدد الجوانب بين الإسلاميين وما يمثلونه والتيار العلماني بجميع فصائله وما يمثله، وأن  قضية المرأة هي لافتة الجانب الاجتماعي من هذا الصراع، وأن العديد من القضايا إذا نظر إليها بمعزل عن هذه السياقات لن تكون محل خلاف أو سيكون الخلاف فيها محدودا وثانويا، لكن عند النظر إلى ما وراء الأكمة سيتجلى الموقف الحقيقي لكل فريق.

ماذا تقصد بذلك؟ 

أقصد أن التيار العلماني يحظى في بعض الأوقات بنفوذ متزايد في بعض دوائر صنع القرار إما تكيفا مع ضغوط خارجية أو تحجيما للتيار الآخر داخليا أو حتى بتأثير علاقات شخصية.

أما التيار الإسلامي فهو صاحب النفوذ الواسع والقاعدة العريضة شعبيا وبخاصة في قطاع المرأة، واستطلاعات الرأي تؤكد ذلك والتي يجري أكثرها مؤسسات بحثية غربية إذ لم يحظ التوجه العلماني في أحسن الأحوال بأكثر من 10%، ورأيي الشخصي أن القرارات التي صدرت أخيرا لا تغير كثيرا في وضع المرأة وأنه لا محذور فيها من الناحية الشرعية.

لكن هل تتفق مع من يقول إن ملف "المرأة السعودية" أضحى المنقذ السياسي للحكومة، كلما أحست بازدياد حركات المطالب الإصلاحية؟

لعل المقاربة السابقة تكفي للإجابة عن هذا السؤال.

 
هل جاء هذا الإصلاح تحت ضغوط خارجية؟

في العصر الحاضر، من الموضوعية أن نذكر أن أي قرار هام لا بد قبل إصداره من إجراء حسابات متعددة بعضها داخلي وبعضها خارجي، ولا إشكال في ذلك إذا توفر شرطان: الأول أن يكون القرار مشروعا، والثاني أن يحقق القرار مصلحة أو يسهم في حل مشكلة للناس.

كيف سيتعامل الإسلاميون السعوديون مع مؤشرات التغيرات الداخلية السياسية، خاصة أن البعض يشير إلى مرحلة سعودية جديدة مختلفة كليا عن السابق، فلم تعد معايير القيادة السياسية هي نفسها في الأخذ بحسابات الإسلاميين عند أي قرار يخص السياسة الاجتماعية للمجتمع؟

أولا، الإسلاميون في السعودية لا يمتلكون لا مشروعا ولا رؤية ولا برنامجا سياسيا محددا لأسباب لا يتسع المقام لذكرها، وبالتالي فالإسلاميون في السعودية لا يصنعون الحدث وإنما ينحصر دورهم في ردود الأفعال والتي تكون متعددة وقد تكون مختلفة والتي  تفتقد غالبا إلى النضج والاستمرار، لأنه لا يجمعهم جامع وليس لديهم مؤسسات ولا خبرة سياسية وكذلك بسبب ضيق هامش الحريات السياسية بمفاهيمها العصرية في البلد.

والأمر الآخر أن الدولة السعودية تستند تاريخيا وشرعيا وشعبيا وعالميا إلى الإسلام لا غير، والقاعدة الشعبية الواسعة وبصورة تفوق أي بلد آخر خيارها الأوحد الإسلام وبالتالي فلا مجال منطقيا على الإطلاق لاستبعاد البعد الإسلامي عند اتخاذ أي قرار ذي شأن، وهذا يسلم به حتى عقلاء غلاة العلمانيين.

إجابتك السابقة تقودنا إلى محور مهم: هل السعودية في طريقها إلى الملكية الدستورية كما يطالب به الكثير من الإصلاحيين؟

دعني أجيبك بوضوح إن كان يراد بذلك الملكية الدستورية وفق الأعراف العالمية فلا أظن ذلك ممكنا في المدى المنظور ووفق معطيات الموقف موضوعيا، إلا إن وقعت أحداث مفاجئة وغير متوقعة، أما إن كان المقصود إجراء تغيير في المشهد السياسي الرسمي المحلي بنكهة وخبرة محلية ثم يسمى ذلك بأي تسمية فأظن أن ذلك قادم ولا بد.

ألا تتفق مع من يقول إن الرياض خسرت كثيرا في إدارة سياستها الخارجية لملف الثورات، وخسرت رهاناتها العربية خاصة الملف اليمني، وبخاصة مع شعوب تلك الثورات، فكيف تقيم الدور السعودي في ذلك؟

يظهر أن الموقف السعودي من الثورات العربية لم يكن واحدا لاختلاف المعطيات المحلية والإقليمية والدولية في كل ثورة عن أخرى، لكنني أعتقد أن ثورات الشعوب أصبحت وستصبح أمرا واقعا لا مناص منه أمام الجميع إلا بالتعامل معه والقبول به، وكل من بادر أولا فسيكون قراره أكثر صوابا.

والواجب الشرعي ومقتضيات الأخوة ومصالح الأمة الحاضرة والمستقبلية تقتضي الوقوف مع الشعوب المظلومة في وجه الطغاة والمستبدين الذين حاربوا الدين وانتهكوا الحقوق وباعوا القضايا وخضعوا للعداوة ونشروا الفساد ورسخوا التخلف، ومن دعمهم لقتل شعوبهم فلن يرحمه التاريخ ولن تنسى موقفه الشعوب، وحساب الله أشد وأنكى.

النظام السياسي المتسم بالحيوية هو الذي يعيد تشكيل مواقفه وردود فعله وفق مستجدات الحدث وهو ما نتمنى أن تبادر الحكومة السعودية إليه سواء في موقفها من تلك الثورات أو في الاستفادة من ذلك داخليا
وما هي أبرز انعكاسات تلك التحركات العربية الشعبية من أجل الديمقراطية على الشارع السعودي؟

بلا شك أن العالم أصبح قرية واحدة تؤثر مكوناتها في بعضها، فكيف بشعوب يوحدها التاريخ والجغرافيا والدين والثقافة والمصير، وكذلك لا يمكن تجاهل أن لكل بلد من الخصائص المتعددة ما يجعله يختلف عن غيره من البلدان.

وهذه النظرة الموضوعية تمكننا من رؤية متوازنة للأحداث، وعلى هذا فقد أثرت الثورات العربية في الشعب السعودي وأفكاره، لكنه تأثير لا يمكن أن يبلغ درجة استنساخ تلك الثورات كما هي، والواجب على صناع القرار السعودي والنخب الشعبية أن يقرؤوا الأحداث قراءة علمية صحيحة، فلا يقفزون في الهواء تقليدا محضا للآخرين، وأيضا لا يعيشون في وهم أننا مختلفون عن غيرنا جذريا وأن أسوارنا عالية ومنيعة وأننا لا يمكن أن نتأثر بما يجري حولنا.

هناك من يقول إن المملكة تقف ضد كل الثورات العربية خوفا من نقل العدوى إليها؟ 

بلا شك أن أغلب حكومات المنطقة وكذلك القوى العالمية كانت تتمنى عدم وقوع هذه الثورات، وعندما وقعت سعوا لعدم نجاحها، وعندما نجحت يحاولون منع انتشارها، هذا في الجملة، مع وجود استثناءات هنا وهناك لسبب أو آخر.

والنظام السياسي المتسم بالحيوية هو الذي يعيد تشكيل مواقفه وردود فعله وفق مستجدات الحدث، وهو ما نتمنى أن تبادر الحكومة السعودية إليه سواء في موقفها من تلك الثورات أو في الاستفادة من ذلك داخليا، ولا مشكلة في وقوع القصور في الموقف السياسي كأي عمل بشري، لكن المشكلة هي في استمرار القصور والإصرار عليه وعدم تطوير الموقف ومراجعته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة