البطوط: القط فيلم يرصد عنف الشارع المصري   
الأربعاء 1436/1/13 هـ - الموافق 5/11/2014 م (آخر تحديث) الساعة 19:13 (مكة المكرمة)، 16:13 (غرينتش)

حاوره/أمير العمري

شهدت مسابقة الأفلام الروائية بمهرجان أبو ظبي السينمائي الذي اختتم أخيرا مشاركة الفيلم المصري الجديد "القط" للمخرج إبراهيم البطوط، وهو فيلمه الخامس بعد "إيثاكي" و"عين شمس" و"الحاوي" و"الشتا اللي فات".

ويتجاوز الفيلم كل ما طرحه المخرج في أفلامه السابقة التي كانت تنتمي بشكل أو بآخر إلى الواقعية أو سينما القضية الاجتماعية التي تعتمد على السرد السلس البسيط.

هنا يخرج إبراهيم البطوط من تحت عباءة الواقعية كي يحلّق في منطقة تقع بين الواقعية والرمزية، بين ظلال التاريخ والواقع والأسطورة، وبين الرؤية النقدية الاجتماعية والتحليق الجامح في نطاق الخيال الذي لا يعرف حدودا.

ويتحرر المخرج في فيلمه الجديد من قيود الواقعية، ويطلق لنفسه العنان ليستمد من تجاربه الشخصية في الحياة ومن خياله السينمائي من أجل صنع واقع آخر مواز على الشاشة.

صحيح أن الفيلم يدور على أرضية العنف القائم في الساحة المصرية حاليا ويبحث في موضوع الشر والعنف، لكنه يمزج الواقع المعاصر بمستوى الرمز الخيالي المستند إلى التاريخ ويبدو بالتالي شديد التركيب والثراء.

على هامش المهرجان كان للجزيرة نت هذا الحوار مع إبراهيم البطوط:

كيف بدأت فكرة فيلمك الخامس؟

جاءت الفكرة في أغسطس 2012 عندما كنت في طريقي للحصول على تأشيرة زيارة من السفارة الإيطالية بجوار ميدان الإسعاف وسط القاهرة، وقد وجدت هذه المنطقة منتهكة ومغتصبة من الجميع، وتطلعت حولي فوجدت أن الحالة قد تحولت إلى فوضى عارمة.

كنت قد توقفت منذ 2004 عن إخراج أفلام عن العنف بعد تجربتي في تصوير الحروب والصراعات الدامية بأنحاء مختلفة من العالم، وكنت أريد أن أصنع أفلاما هادئة يمكن مشاهدتها في أجواء لطيفة.

لكن بعد الثورة لم أستطع التمسك بهذه الرغبة في ظل كل التداعيات التي ملأت الشارع المصري عنفا ودماء، ولم يكن ممكنا أن أخدع نفسي، وفكرت في إنجاز فيلم يعكس هذا الواقع بشكل ما.

ما هو المدخل الجمالي الذي سلكته خلال إنجاز فيلمك الأخير؟

تجولت في ربوع مصر كلها من أقصى الشمال لأقصى الجنوب وزرت المعابد الفرعونية وتأملت في نقوشها، وعندما أرى نقشا على جدار أحد المعابد لطائرة مروحية وطبق طائر أتساءل ما هذا الذي وصل إليه المصريون القدماء وما الذي وصلنا إليه الآن؟

أغوتني فكرة فيلم أصوغ من خلاله تساؤلاتي كي أشعر بنوع من الارتياح خصوصا عندما أستفيد من تجربة حياتي الشخصية تماما عندما جعلت شقيقي يروي تجربته مع أجهزة القمع في مصر في فيلمي السابق "الشتا اللي فات"، أو كما فعلت في فيلم "القط" عندما صورت الرجل الذي يفقد ساقيه بالبتر ويقوم ابنه بدفنهما، وهو بالضبط ما حدث لأبي.

ألا تخشى من أن يعتبر البعض أن فيلمك الجديد يربط بين الحضارة المصرية القديمة والشر؟

كتبت على اللوحة الأولى التي تظهر في الفيلم أن "أوزوريس" راح ضحية إله العالم السفلي في صعيد مصر أي إله الشر "ست" وفقا لأساطير مصر القديمة، وبعدها يظهر فيها فاروق الفيشاوي عند الماء بجوار معبد أبيدوس.

القصص القديمة الفرعونية تقول إن إله الشر "ست" قتل أوزوريس ثم مزق جثته إلى 42 قطعة وألقى بها في أرجاء مصر.

القصة فيها الكثير من العمق في المفاهيم التي تتعلق بالبعث بعد الموت وإحياء النظام بعد انتشار الفوضى وغير ذلك، ويمكن القول إن الشر عند الفراعنة كان شديد الاختلاف عن ما نشهده الآن.

 إبراهيم البطوط: الواقع المصري الآن أكثر عنفا من السينما (الجزيرة)

وقد تعاقبت على مصر بعد ذلك الكثير من الأحداث وأمكن تحقيق نوع من التعايش بين الجميع يقوم على التسامح وقبول الآخر.

إن المشهد الأول في الفيلم يستدرج المشاهد كي يقبل فكرة العنف أو الشر عندما ترى بطل الفيلم "القط" يقوم بقتل رجل يتاجر في الأعضاء البشرية للأطفال بكل عنف.

والمتفرج يقبل هذا القتل ويشعر بالراحة وهو يراه يحدث، ومن هنا تأتي فكرة العنف أو القتل المزدوج: تارة من أجل دفع الشر، وتارة أخرى لتكريس الشر.

يتميز الفيلم بمواقع التصوير الغريبة التي تبدو وكأننا نراها للمرة الأولى، كيف عثرت عليها؟

قصدت أن أصور أبناء الطبقة الأدنى أو العالم السفلي يقطنون في مستويات عليا يتطلعون من مواقع مرتفعة على خلاف الفكرة السائدة أن الفقراء يقطنون في أسفل والأغنياء في الأعلى.

لقد انقلبت المعايير الآن، وصورت الدراجات النارية وهي تسير تحت نفق ثم تمر من تحت لافتة كبيرة، وصورت جريمة قتل تقع أمام دار القضاء العالي في وسط القاهرة، وكنت أود أن يدرك المشاهد أن الجريمة أصبحت متجاورة معنا في قلب حياتنا.

شخصية فاروق الفيشاوي الأسطورية التي تراقب وتخترق الآخرين تحرض على العنف وتدعمه، هل توافق على أن هناك بعدا أسطوريا في هذه الشخصية وفي الفيلم عموما؟

نعم، ولكن كان يتعين علي أن أمنحه أبعادا واقعية لتقريبه من المشاهد، ففي المرة الأولى مثلا التي نراه فيها بعد مشهد البداية نشاهده وهو يتطلع إلى ما تنقله له كاميرا سرية عبر شاشة في الحجرة التي يجلس فيها، وكنت حريصا على الانتقال بين مستويين: الواقعي والخيالي.

عملت مع ممثلين محترفين وغير محترفين في هذا الفيلم، فهل ترتجل أثناء التصوير؟

مساحة الارتجال محدودة، فأنا أجعل الممثلين يتوهمون أنهم يختلقون الحوار لكن كل شيء في الفيلم محسوب بدقة.

الشكل السينمائي المتبع يحوي قدرا كبيرا من الغموض وغرابة الشخصيات، ألا يقلقك احتمال مواجهة المتلقي صعوبة في استقبال الفيلم؟

هناك الكثير من الشخصيات في الفيلم التي أعتقد أنها ستترك تأثيرا على الجمهور حتى لو لم تكن هناك مبررات واضحة وشرح لكل حركة.

إن كل ما يمكن للمشاهد أن يتوقعه في سلوك الشخصيات يفاجأ بعكسه على غرار مشهد تفجير السيارة، فنحن نتوقع أن يكون الشاب الملتحي الذي يحمل حقيبة هو الذي يقف وراء التفجير لكن الحقيقة لم تكن كذلك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة