الشريعي "غواص في بحر النغم" والألم   
الأحد 1434/1/25 هـ - الموافق 9/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:18 (مكة المكرمة)، 13:18 (غرينتش)
الراحل عمار الشريعي وضع الموسيقى التصويرية لعشرات الأعمال التلفزيونية والسينمائية (الفرنسية)
زهير حمداني
 
كأنما الموسيقار الراحل عمار الشريعي كان يستل اللحن من شغاف قلبة المرهف والمتعب أيضا  لتحتضنه قلوب أخرى جذلى إبداعا صرفا، ويبقى في القلوب فلا يغادرها إلا ليسكنها لحن آخر. عذوبة ألحان الشريعي أنهكت ذلك القلب المسكون بالشجن الجميل ليرحل بعد أن استخرج أفضل درر "بحر النغم".

ذلك الرجل الكفيف الودود استطاع ببصيرة نافذة أن يحول حكايات "زيزينيا" إلى رؤية موسيقية ألفناها، وأن ينقل إلينا خوف "البريء" وإذعانه وتمرده أيضا، كما "دون كيشوتية" السيد "أبو العلاء البشري"، والأروع أن مشاعر "رأفت الهجان" المتلاطمة تحولت إلى دفق موسيقي أنجزه الراحل بروعة الفنان وإحساس الوطني، وكأنما خبر اللحظة، التي عشناها نحن بموسيقاه ربما أكثر من أداء محمود عبد العزيز المبهر.

الموسيقى التصويرية الكثيرة التي يضعها الشريعي للأعمال الدرامية والسينمائية لا تبدو مسقطة وخالية من الروح كما في أعمال عديدة لغيره

عبقرية موسيقية
"طه حسين الموسيقى" كما يصفه الملحن حلمي بكر يمثل بلا شك ظاهرة فنية فريدة، فهو لا يجيد  العزف على آلة العود فحسب، بل يمتلك معرفة شاملة بكل الآلات الموسيقية، إضافة إلى خبرته التكنولوجية الموسيقية التي مكنته من التعاون مع شركة "ياماها" اليابانية في استنباط ثلاثة أرباع النوت الموسيقية من الآلات الموسيقية، ومساهمته مع مؤسسة "دانسينغ دوتس" الأميركية في إنتاج برنامج "غود فيل" الذي يقدم نوتة موسيقية بطريقة برايل للمكفوفين.

لم تكن عبقرية الشريعي الموسيقية نتاج موهبة وشغف فقط، بل إن ثقافته العلمية والأدبية الواسعة -وهو الحاصل على عدة شهادات أكاديمية- وذكاءه الحاد وقدرته الفذة على التواصل الاجتماعي بخفة الظل التي لازمته وقربت منه الجميع، ساهمت أيضا في دفع مساره الإبداعي ليكون من أكثر مؤلفي موسيقى الأفلام والمسلسلات وحتى الأعمال المسرحية.

ولعل الموسيقار هاني مهنى لم يكن مبالغا عندما وصفه بأنه "قامة فنية وثورية"، وأنه "صاحب رؤية وفكر باعتباره يرى ما لا يراه المبصر سواء في مجال الموسيقى أو في مجالات أخرى".

ولا تبدو الموسيقى التصويرية الكثيرة التي يضعها الشريعي للأعمال الدرامية والسينمائية مسقطة أو خالية من الروح كما في أعمال عديدة لغيره، فمن "حلم الجنوبي" و"المصراوية" و"إمرأة من زمن الحب" و"أرابيسك" إلى "حب في الزنزانة" و"يوم الكرامة" و"حليم"، يلتقط الشريعي اللحظة بعمقها الاجتماعي والسياسي والوطني، ليقدم بموسيقاه إضافة كبيرة لتلك الأعمال على المستوى الجمالي والجماهيري.

لم يكن قلب الموسيقار الراحل حاملا للألحان الشجية فقط بل أيضا لتصاريف السياسة وهموم الوطن والشعب، ولم يمنعه المرض وتعب القلب من النزول إلى ميدان التحرير

مع الثوار
ولم يكن الرجل بذلك بعيدا عن هموم المصريين، وكانت أنغامه بمثابة طرق على جدار الصمت -الذي كان مطبقا في فترة ما- ليس بالمعنى المباشر، بل عبر المعالجة الموسيقية المتروية للأعمال التي لحن لها والتي كان بعضها جريئا ويحمل بعدا سياسيا واضحا.

وبذلك لم يكن قلب الموسيقار الراحل حاملا للألحان الشجية فقط بل أيضا لتصاريف السياسة وهموم الوطن والشعب، ولم يمنعه المرض وتعب القلب من النزول إلى ميدان التحرير أثناء ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2010، وكان أحد الرموز الفنية الحاضرة بين الثوار.

ذلك القلب المرهق الذي أسعد الملايين زاد تعبه وألمه في ما عرف بجمعة الرحيل يوم 11 فبراير/شباط، حيث نقل إلى أحد المستشفيات ليتعافى، ثم يصاب بنوبة قلبية جديدة أثرت على وظائف الكليتين لديه، فأدخل إلى غرفة العناية المركزة بأحد مستشفيات القاهرة ليفارق الحياة.

كان الشريعي غواصا حاذقا في بحر النغم، أحد أشهر برامجه الإذاعية، لم يعد قلبه وجسده يحتملان أكثر ليواصل استخراج لآلئ ودرر الألحان في لحظة فارقة ومختلفة في تاريخ مصر السياسي، أفرزت ثورة شعبية رابط فيها الفنان الراحل في ميدان التحرير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة