رئيس فدرالية مسلمي فرنسا: لدينا مخاوف من ساركوزي   
الاثنين 5/5/1428 هـ - الموافق 21/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 2:27 (مكة المكرمة)، 23:27 (غرينتش)
محمد البشاري عبر عن تشاؤم من رئاسة ساركوزي (الجزيرة-أرشيف)

عبد السلام رزاق-الدوحة
 
قال محمد بشاري رئيس الفدرالية العامة لمسلمي فرنسا والأمين العام للمؤتمر الدولي لمسلمي أوروبا إن فترة حكم رئيس فرنسا الجديد ستعرف العديد من التحولات في سياسة البلاد الخارجية، خاصة على مستوى التعاطي مع القضايا العربية والإسلامية.
 
وأضاف بشاري في مقابلة مع الجزيرة نت أن مسلمي فرنسا من العرب كانوا وما زالوا يمثلون معادلة وازنة في الشأن العام الفرنسي، مشددا على أن نيكولا ساركوزي مدعو إلى إعادة النظر في تعاملة مع هذا المكون البشري العربي والمسلم على أساس قاعدة الإدماج والاندماج.
 
وفي ما يلي نص الحوار:
 
 كفدرالية لمسلمي فرنسا ماذا تتوقعون من الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي؟
 
- بالنسبة لنا فوز ساركوزي يعني الشيء الكثير، فانتخابه يعد تحولا جوهريا في سياسة فرنسا على المستوى الداخلي أو الخارجي. فساركوزي اتخذ شعارا لحملته مفهوم "القطيعة"، في إشارة إلى أنه يسعى إلى إقامة قطيعة مع السياسات السابقة للرؤساء السابقين يمينيين كانوا أم يساريين.
 
والآن وبعدما استلم زمام الأمور فإنه سيقدم  نهجا جديدا في السياسة الفرنسية سواء تعلق الأمر بموقع فرنسا في الساحة الدولية أو بعلاقتها مع الولايات المتحدة أو العالم العربي والإسلامي.
 
كما أن فترة ساركوزي سينجم عنها احتفاء الأحزاب اليسارية التقليدية، وسيبرز حزب جديد أو لنقل تيار سياسي جديد يكون بمقدوره لم هذا الشتات اليساري وقد يأخد لافتة "اليسار الديمقراطي" القائم على خلق توزان بين المبادئ الاشتراكية ومتطلبات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
 
أما على مستوى اليمين, فالواضح أن جاك شيراك فشل في إنشاء حزب يميني كبير أو حتى حزب وسط. وعلى هذا الأساس فإن فترة حكم ساركوزي ستكون حبلى بالعديد من المستجدات السياسية خاصة الظهور المتنامي للتيار اليميني المتطرف الذي يمثل الآن نحو 20% من القوة الناخبة، والذي ستكون له كلمته في المستقبل.
 
وإجمالا فإن السياسة الفرنسية اليوم تتجه مع ساركوزي إلى اختيار يشبه إلى حد ما ما هو موجود في الولايات المتحدة والمتمثل في توجهات المحافظين الجدد.
 
 هل يفهم من كلامكم أن ساركوزي هو النسخة الفرنسية للمحافظين الجدد في فرنسا؟
 
"
بلا شك ساركوزي امتداد طبيعي لسياسة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ولكن على الطريقة الفرنسية، فهو يقتفي آثار الرئيس الأميركي جورج بوش لكن مع كثير من الحذر
"
- بلا شك ساركوزي امتداد طبيعي لسياسة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ولكن على الطريقة الفرنسية. فهو يقتفي آثار الرئيس الأميركي جورج بوش لكن مع كثير من الحذر.
 
هنا أتحدث عن مرحلة ما قبل الانتخابات وأثناء الحملات الانتخابية, لكنه الآن بعدما انتخب رئيسا للبلاد مدعو  للاستماع لما يقوله الشارع الفرنسي وتطبيق اختياراته إن أراد المحافظة على مركزه في قصر الإليزيه وأن لا يكون ذيلا لساسة واشنطن.
 
فالساسة الفرنسيون منذ عهد ديغول كانوا مسكونين بقضية اسمها "الاستثناء الفرنسي"، حتى أن المخيال السياسي الفرنسي مبني على هذا المفهوم. وقد لاحظنا كيف أن الرؤساء السابقين مثل فاليري جيسكار دستان وفرانسوا ميتران وجاك شيراك ظلوا محافظين على هذا النهج وإن بأشكال مختلفة وتبعا لتقلبات السياسة الدولية.
 
 (مقاطعا) وأين المشكل هنا ما دام ساركوزي ملزم باحترام القواعد العامة لفرنسا؟
 
- ساركوزي هو الوجه الآخر المعدل لساسة المحافظين الجدد في فرنسا، لكن مع كثير من التوابل الفرنسية الداخلية. ولا ننسى أن فرنسا تتوفر اليوم على قواعد ومشاتل  فكرية لهذا التوجه، حيث نجد أن هناك تيارا فرنسيا دائم الحضور في الساحة السياسية والثقافية وأخد شكل لوبي ديني وأيدولوجي. 
 
ومع وصول ساركوزي إلى الحكم سيأخد هذا التوجه شكله النهائي وستكون له سلطات واسعة في تحريك الإدارة الفرنسية. وهذا التوجه الجديد كشفت عنه جريدة "ليبراسيون" الفرنسية الذائعة الصيت، حيث أعلنت على  صدر صفحتها الأولى خلال فترات الحملة الانتخابية أن مرشح الطائفة اليهودية في فرنسا هو نيكولا ساركوزي.
 
وهذا الموقف السياسي له دلالاته الكبرى التي ستنكشف مع مجريات الأحداث في فرنسا، فالمزج بين المسيحية المتصهينة واللوبي اليهودي في فرنسا إلى جانب الحركات الجديدة في الاقتصاد تكشف الآن بعدا جديدا في البلاد.
 
 نبرة خطابكم توحي بأن سياسة ساركوزي ستكون مغايرة تجاه الدول العربية والإسلامية وحتى المغاربية التي ظلت خلال السنوات الماضية أشبه ما تكون بمحمية سياسية فرنسية؟
 
- سياسة ساركوزي تجاه الدول العربية والإسلامية مرتبطة بنظرة ثابثة قارة هي أن الدول العربية والإسلامية ما زالت تبحث عن الديمقراطية، ولم تصل بعد مرحلة النضج حتى على مستوى احترام حرية الرأي والتعبير. وهذا الأمر رغم توفره على بعض من الصدقية يجعل من فرنسا خصما لهذه الدول أكثر منه حليفا ونصيرا للقضايا العربية المصيرية.
 
والرهان المطلوب اليوم هو أن تكون فرنسا مدعوة إلى دعم سياسات الفضاءات مغاربية كانت أم عربية أم إسلامية، دون الارتكان إلى دعم سياسة الاتحاد الأوروبي لوحدها. لكنها بالمقابل مدعوة أيضا إلى الدفاع عن الرسالة الحقوقية التي اعتمدتها الثورة الفرنسية والقائمة على احترام إرادة الشعوب وعدم تزكية الواقع في أي بلد بعد انقلاب أو حكم فاسد أو مرتش. وفي الأمر دعم حقيقي لإرادة الشعوب العربية والإسلامية في مواجهة كافة أشكال التسلط.
 
 بنظركم هل يستطيع ساركوزي أن ينجح في خلق سياسة فرنسية متوازة بين الرباط والجزائر؟
 
"
ساركوزي رجل براغماتي سياسته مختلفة عن شيراك، فهو صريح إلى حد القسوة ورهاناته معروفة فهو يريد فضاء مغاربيا دون صراعات جانبية، كما أنه لا يميل إلى سياسة الصالونات القائمة على دعم التيارات الفرنكفونية أو الأمازيغية
"
- ساركوزي رجل براغماتي سياسته مختلفة عن شيراك فهو صريح إلى حد القسوة ورهاناته معروفة، فهو يريد  فضاء مغاربيا بدون صراعات جانبية، كما أنه لا يميل إلى سياسة الصالونات القائمة على دعم التيارات الفرنكفونية أو الأمازيغية.
 
وفرنسا لم تنس بعد انتفاضة الجالية المغاربية عقب موقف الحكومة الفرنسية من تدخل الجيش وقطع الطريق على الإسلاميين، وما واكب ذلك من إجهاض لتجربة ديمقراطية في طور التشكل وما نجم عنه من انتقال العنف والتفجيرات من الشارع الجزائري إلى الشارع الفرنسي. كما أن ساركوزي أيضا يريد لفترته الرئاسية أن تكون فوق الشبهات السياسية الخارجية.
 
 أنتم كمسلمين في فرنسا، أليست لكم مطالب أو مقترحات؟
 
- مسلمو فرنسا ليست لهم مطالب أكثر من العيش الكريم، ونحن لا نريد من الساسة الفرنسيين أن يتعاملوا معنا كاستثناء. وأقصى ما نريده أن يتم التعامل معنا كمواطنين فرنسيين كاملي العضوية على مستوى الحقوق والواجبات، لكننا بالمقابل نرفض أي سياسة تعادي الوجود العربي والإسلامي في هذا البلد.
 
 (مقاطعا) ألا ترى أن هذا الموقف فيه الكثير من الاستسلام؟
 
- لا على العكس, نحن نعرف فرنسا كما أن الساسة الفرنسيين يعرفوننا ويعرفون أن لدينا مطالب محددة وثابتة تقوم على تجديد رؤيتهم لهذا المكون البشري الذي يمثل رقما وازنا داخل فرنسا ويتوفر على طاقات غير موجودة حتى عند الفرنسيين الأصليين أنفسهم. وما نريده هو فسح المجال أمام هذه الطاقات ودمجها في صناعة القرار السياسي الفرنسي.
 
فمثلا الرئيس الأسبق جاك شيراك عين وزيرين من الجالية العربية والمسلمة في حكومته الأولى والثانية. والأمر كذلك ينسحب على ساركوزي الذي اعتمد سياسة "التمييز الإيجابي" عبر تعيينه والي إحدى المدن الكبرى من أصول عربية وإسلامية. لكننا الآن في عهد ساركوزي لن نكتفي بهذا المستوى بل نريد أكثر، وإن كان الأمر دونه الكثير من العقبات.
 
هذه كانت إشارات سياسية بسيطة، نريد من ساركوزي أكثر مما تحقق في السابق مع الساسة الاشتراكيين وهو قادر على ذلك شريطة أن يوسع من مداركه السياسية وينفتح علينا بصورة تعكس حجمنا الحقيقي في البلد الذي أنتج مفاهيم من قبيل الأخوة والمساواة والعدالة.
 
 يستشف من كلامكم أن الاشتراكيين الفرنسيين خذلوكم بعدما راهنتم عليهم أكثر من اللازم ومنحتموهم أصواتكم؟
 
"
الجالية المسلمة كانت تميل أكثر إلى الاشتراكيين حينما يتعلق الأمر بسياستهم الداخلية خاصة على المستوى المحلي وتدبير البلديات، ونجدهم أقرب إلى اليمين حينما يتم الحديث عن ملفات السياسة الخارجية
"
- لا فرنسا اليوم تغيرت كثيرا، فمع وصول الجيل الثاني والثالث بلغ معدل الناخبين المسلمين قرابة أربعة ملايين. والاشتراكيون في السابق كانوا يتعاملون مع القضايا العربية والإسلامية بخلفية أيدولوجية، لكن الأمر تغير كثيرا مع الاشتركيين الجدد الذين لم يعيشوا تجربة حرب الجزائر ولم يقفوا على حقائق ما يسمى بالأممية الاشتراكية, فاشتراكيو فرنسا اليوم أكثر براغماتية من سابقيهم. وبالتالي فالأمر هنا لا يتعلق بمسألة خذلان إلا في بعض القضايا الخلافية مثل قضية الحجاب.
 
وعموما فإن الجالية المسلمة كانت تميل أكثر إلى الاشتراكيين حينما يتعلق الأمر بالسياسة الداخلية للاشتراكيين خاصة على المستوى المحلي وتدبير البلديات. ونجدهم أقرب إلى اليمين حينما يتم الحديث عن ملفات السياسة الخارجية.
 
فالناخب العربي المسلم في فرنسا قبل الانتخابات كان لديه ضرب من التعاطف مع سيغولين رويال الاشتراكية لأن هذا الناخب لم ينس بعدُ أحداث الضواحي الفرنسية عام 2005 عندما نعت ساركوزي وزير الداخلية آنذاك أبناء الجالية بأنهم "أوباش".
 
وهذه الكلمة لها مدلولها والناخب الفرنسي من أصول إسلامية لم ينس هذا التوصيف وما واكبه من أحداث دامية ومن ثم لم يصوت لساركوزي واختار المرشحة الاشتراكية رغم أنها لم تكن مؤهلة بما فيه الكفاية، ومن ثم تأتي مسألة التخوف من المستقبل.
 
 هذا التخوف من المستقبل ألا يمكنه أن يعيق أكثر مسلسل إدماج هذه الشريحة في المجتمع الفرنسي؟
 
- فرنسا اليوم وفي عهد ساركوزي مجبرة على الاستثمار في الحضور الكمي والنوعي للجالية المسلمة في فرنسا. والمشكلة هي أنه طوال العقود الأربعة الماضية لم تستطع القوى السياسية الفرنسية الوصول الى هذه المحصلة أو أنها لا تريد. وهذا الأمر يمكنه أن يتحقق في عهد ساركوزي إن أراد لكن شريطة تحقيق ما يلي:
 
  • رفع مستوى التدين والتعلم عبر السماح بإنشاء مزيد من المساجد والمعاهد العلمية التي تحترم السياسة الفرنسية، وبصورة أكثر وضوحا إسلام فرنسي معتدل.
  • احترام الخصوصيات الثقافية والفكرية لهذه الجالية في مقابل احترام الخصوصية الفرنسية أيضا.
  • التعامل مع الجالية العربية المسلمة على أساس مبدأ المواطنة الفرنسية بما يحمله المفهموم من اعتماد وتطبيق  لقاعدة الحقوق والواجبات. 

 بعد كل هذا متى يمكننا الحديث عن لوبي عربي إسلامي، أي جماعة ضغط قادرة على إحداث التغيير في فرنسا؟

- شخصيا لا أميل إلى اللوبيات، وما أومن به هو تحديد الأولويات في القضايا المصيرية لدى مسلمي فرنسا والمتمثلة في العيش المشترك في مجتمع آمن وأن لا نبقى رهينة سياسة خارجية مرتبطة بتفاعلات وتناقضات أزمة الشرق الأوسط, والدعوة إلى تحقيق مزيد من دمج الفعاليات السياسية العربية والمسلمة في التنظيمات السياسية جمهورية كانت أم ديمقراطية.. المهم أن تكون قادرة على إحداث التغيير في الفعل السياسي الفرنسي.
 
أما الحديث عن لوبي عربي إسلامي فالأمر سابق لأوانه لاعتبارات متعددة نجملها في ما يلي:
  • أن التركيبة العامة لعرب ومسلمي فرنسا مؤلفة من أعراق وجنسيات وثقافات مختلفة يصعب لم شتاتها في جماعة ضاغطة.
  • أن هذه الجالية لم تتخلص بعد من الانتماء لسياسة البلد الأم فهي تتعاطف أو تتقاطع مع سياسة البلد الأصلي ولم تستطع -بعد بسبب المستوى السياسي والثقافي لدى الغالبية- تأسيس انتماء جديد في فرنسا.
  • أن تأسيس لوبي عربي إسلامي في فرنسا سيواجه بالعداء من قبل اللوبيات القوية خاصة اللوبي المتصهين، والتهمة لعمري قد تكون جاهزة وهي دعم الإرهاب حتى لا أقول الإرهاب نفسه.

والبديل الذي نقترحه هو الاستثمار في العنصر البشري العربي والمسلم المتوفر لدينا ومحاولة إبراز المشروع الحضاري العربي والإسلامي في فرنسا وجعله مقبولا من قبل الساسة الفرنسيين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة