طلميثة الأثرية بليبيا تسخر من العسكر منذ القدم   
الجمعة 1429/12/1 هـ - الموافق 28/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 6:43 (مكة المكرمة)، 3:43 (غرينتش)
قصر الأعمدة في طلميثة (الجزيرة نت)

خالد المهير-طلميثة

تتربع طلميثة الأثرية على مساحة أقل من أربعة كيلومترات مربعة، وتبعد عن مدينة بنغازي شرقي ليبيا بـ115 كيلومترا.
 
وتحتوي على صهاريج مياه تستوعب ثمانية ملايين لتر مكعب، إضافة إلى أسوار ومنازل، وقصر الأعمدة الذي اكتشف في العصر الهنليستي، أما الميناء فكانت تصدر عبره حبوب القمح والشعير والعنب ونبات السلفيوم.
 
الحكم البطلمي
ويقول باحث الآثار الكلاسيكية خالد الهدار للجزيرة نت إن المدينة التي تحمل عدة أسماء ميناء مدينة برقة أوبطوليمايس لعبت دورا مميزا في تاريخ إقليم كيرينايكي منذ كانت ميناء تصرف فيه بضائع مدينة برقة (المرج) أوائل القرن السادس ق.م.
 
واهتم بها البطالمة في القرن الثالث ق.م وشيدوا في موقعها مدينة متكاملة كانت حلقة وصل مع سدة الحكم البطلمية في الإسكندرية، وفي القرن الثالث الميلادي أصبحت عاصمة للإقليم ضمن إصلاحات الإمبراطور دقلديانوس, حتى منتصف القرن الخامس الميلادي، ثم أعيدت لها الحياة في عصر جستنيان واستمر ميناؤها في العمل في العصر الإسلامي.
 
يقول خالد الهدار إن هذه المحطات التاريخية انعكست في تنوع آثار المدينة الإغريقية المبكرة والهلنيستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وأشار إلى أن أحد أهم نقوشها يعرض منذ 1852 في متحف اللوفر، وهو مرسوم الإمبراطور أناستاسيوس الذي ينظم أحوال الإقليم وشؤونه العسكرية، وقد نقله منها القنصل الفرنسي في بنغازي فاتييه دو بورفيل في 1848.   

صهاريج في طلميثة تستوعب ثمانية ملايين لتر مكعب من المياه (الجزيرة نت)
القبائل الليبية

وقال باحث الآثار عبد السلام الكواش للجزيرة نت إن أجزاء كبيرة من طلميثة لم تكتشف بعد، وهناك آثار لاستيطان القبائل الليبية منذ القدم بعد اكتشاف فأس ترجع إلى القرن السادس قبل الميلاد في إحدى الحفريات.
 
ويقول الكاتب وباحث الآثار الحبيب الأمين للجزيرة نت إن طلميثة مدينة ساخرة من العسكر، فقد قدمت لتاريخ الأدب والفلسفة وحتى لتاريخ الكنسية الأسقف الشهير سينيوس (370- 413 ميلادي) الذي ولد بضواحي قورينا، ونشأ وعاش بضيعة ريفية قرب بلدة بلغراي (البيضاء اليوم) ودونه تاريخ العلوم والفلسفة فيلسوفا، في حين سجله تاريخ الكنيسة أسقفا لمدينة طلميثة.
 
وتلقى الأسقف سينيوس تعليمه بقورينا ثم انتقل إلى الإسكندرية، وأخذ عن الفيلسوفة هيباثيا مناهج فلسفته الرياضية، وكانت له مراسلات مهمة أسهمت في تسليط الضوء على شخصيته، حتى إن الفنان رفائيل استوحى نصوصه لإعادة رسم صورتها، فقد حفظ التاريخ الكلاسيكي كتاباته وترجمت إلى عدة لغات ولازالت قيد النشر إلى يومنا هذا.
 
ويضيف الأمين أن سينيوس صنف فيلسوفا رياضيا أفلاطونيا تميزت كتاباته المفعمة في الشعر والنثر واللاهوت بأنها نصوص عميقة من طراز أدبي رفيع من خلال تأملاته الواعية بمحيطه الإنساني والطبيعي، وبما تناوله من هموم وطنه وانشغالاته كإنسان وشاعر وأسقف لأبرشية طلميثة عاصمة الإقليم.
 
في خطبته الشهيرة أمام الإمبراطور أركاديوس عام 399م تحدث بحسرة عن أحوال بلاده ووصف قورينا "بالفقيرة والكئيبة والواسعة الخراب، وقال إنها بحاجة إلى ملك جديد" وفي رسالته 57 عبر عن حجم الظلم السائد، وتدهور قيمة العدل حيث تحولت دار القضاء إلى ساحة للإعدامات".

القائد العسكري
وأكد الأمين على قيمة سينيوس فيلسوفا وشاعرا ورجل دين نصوصه تحكي قصة مدينته الأم قورينا، ومدينة الأبرشية التي كان أسقفها وهي طلميثة.
 
وأوضح أن آخر الدراسات الحديثة صدرت في 1987 وأعادت قراءة نصوصه حيث تفسر حالة الاكتئاب واليأس التي وصل لها، بأنها دلالة أخرى على حجم الاضمحلال الثقافي والحضاري الذي يرصده سينيوس بألم شديد.
 
وقال السير ريتشارد جود تشايلد "إن نصوصه تكشف عن شخصية رجل ذي مبادئ أخلاقية عالية، وصاحب روح وطنية صادقة، ومما حببه إلى القراء أيضا ولعه بالريف والطبيعة ونفوره وسخريته من قادة الحكومة والعسكر الجبناء والبلداء".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة