القبيلة في الثورتين التونسية والليبية   
الاثنين 21/11/1432 هـ - الموافق 17/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)
من المؤتمر الوطني للقبائل الليبية الذي عقد في طرابلس في 6 مايو/أيار الماضي (الفرنسية)

نشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر دراسة جديدة تدرس الحالة القبلية في ثورتيْ تونس وليبيا، وذلك تحت عنوان: "الأبعاد السياسية للظاهرة القبلية في المجتمعات العربية".
 
ويقدم الدكتور محمد نجيب بوطالب في دراسته مقاربةً اجتماعية مقارنة حول دور ومآل القبيلة في كل من ثورة الشعب التونسي على نظام الرئيس زين العابدين بن علي، والشعب الليبي على نظام العقيد معمر القذافي، معتبراً أن الثورات العربية ساهمت في إخفاء مظاهر الانقسام الاجتماعي والجهوي بفضل توحد الأهداف العامة تجاه التحديات الكبرى.
 
الثورة التونسية
ويؤكد الباحث -في تحليله لمجريات الثورة التونسية- أن الوضع الجديد نبّه باستمرار حضور ظاهرة القبلية والاصطفافات المستندة إلى روابط القربى، والذي أشّر إليه الانخراط الجماعي في بعض التنظيمات والأحزاب التي ظهرت على الساحة السياسية بعد هروب الرئيس التونسي المخلوع.
 
وتبرر الدراسة استمرار الظاهرة القبلية في تونس بالتهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتواتر مظاهر الحرمان وانتشار الفقر بين جهات البلاد، والتي أدت إلى أن يحتمي سكّان المناطق المهمّشة بالبنى الحميمية ومن بينها القبيلة، فكلما زاد إقصاء المواطنين من عملية التنمية، لجؤوا أكثر إلى تشكيلات تقليدية تحميهم من السلطة وتوفر لهم سبل البقاء.
 
ومن أبرز تجليات الظاهرة القبلية بعد الثورة -برأي الباحث- الأحداث الدامية التي شملت بالخصوص مناطق في الجنوب التونسي، حين ضربت الاحتجاجات منطقة الحوض المنجمي بولاية قفصة، كما ظهرت التوترات القبلية في مدن النفيطة وتونس العاصمة وقصر هلال وجبنيانة وغيرها.
 
ومن تجليات الظاهرة القبلية أيضاً -كما ترى الدراسة- الصدامات التي نشبت في العاصمة التونسية بين سكان بعض الأحياء الفقيرة من متعاطي التجارة الموازية التي عمّت الأسواق الشعبية.
 
من احتجاجات الثورة التونسية (الفرنسية-أرشيف)
وعرفت هذه المناطق -كما يقول بوطالب- استنجاداً بالأقارب وبأصيلي الجهة، كما شهدت جهات أخرى عمليات انتهاك لقوانين أشغال البناء والتعمير أو غلق الطرقات والمسالك، على اعتبار أن المناخ الثوري أتاح للبعض الخروج عن القانون والاحتماء بالعلاقات الأولية، اعتماداً على مثل قبلي متوارث كان الأجداد يتداولونه: "عدّ رجالك وأورد الماء".
 
الثورة الليبية
أما بخصوص الثورة الليبية، فيرى بوطالب أنَّ سياسات النظام المعلنة باعترافه بالبنيات القبلية، وتحالفه معها وتحريكه لها بما يخدم مصالح أمنه واستمراريته، أكسبت القبيلة حضوراً فاعلاً، وخاصة في مستويات الفعل الاجتماعي والسياسي والثقافي. وهو ما دفع بعض المحللين إلى التخوف من العودة إلى الانقسام المناطقي، والارتهان إلى المكوَنات التاريخية للمجتمع الليبي التي ما زالت -كما يقولون- تترصد فرصة الانقضاض على الدولة.
 
بيد أن الباحث يرى أن الثورة الليبية بددت منذ بدايتها هذه المخاوف، وساهمت في إعادة التأكيد على الانصهار بين سكان المناطق الشرقية (بنغازي، درنة، أجدابيا) وسكان المناطق الغربية (نالوت، غريان، الزنتان، الزاوية)، لأن الأمل في الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية -التي بشرت بها الثورة بعد عقود من القهر السياسي والارتباك الاقتصادي والاجتماعي- أدى إلى ترسيخ المشاعر الوطنية وتدعيم اللحمة والتضامن.
 
وتشير الدراسة إلى أن نظام القذافي عمد منذ فترة مبكرة إلى تحريك المدن والمناطق من خلال استنفاره للرصيد القبلي أخلاقياً وعسكرياً وسياسياً، ليحاول بذلك إثارة النعرات عبر العقد الدوري لـ"المؤتمرات القبلية"، التي أصدرت بيانات الموالاة وإشارات التأييد، ورفض الاصطفاف خلف الثوار، تحت سياقات متعددة أهمها رفض التدخل الغربي "الصليبي".
 
في حين وجدت الدراسة أن المجلس الوطني الانتقالي -ورغم تحاشيه ذكر القبيلة في خطابه الرسمي- اضطر إلى مجابهة خطاب القذافي بنوع من الذكاء وبكثير من الموضوعية السياسية، ففي حين أعلن المجلس أنه تلقى دعماً من ستين قبيلة، روّج الإعلام الرسمي أن النظام يتلقى الدعم من حوالي ألفين.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة