أسئلة في السينما   
الاثنين 1/7/1436 هـ - الموافق 20/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:50 (مكة المكرمة)، 16:50 (غرينتش)

إبراهيم صموئيل*

أليس غريبا ألا ترتعش أرواحنا وتعاودنا غبطة الإعجاب إزاء ذكر فيلم عربي بعد مائة عام من تاريخ السينما العربية، في حين تغمرنا السعادة، ويعاودنا التقدير العالي إزاء ذكر ما لا يحصى من الأفلام الغربية أو غير العربية بالعموم؟ وهل من باب الأحاجي والألغاز سبب استحواذ تلك الأفلام على ذاكرتنا، ومكثها فيها طويلا وعميقا؟

ولدى طرح هذه المسألة على السينمائيين العرب والمشتغلين بالفن السابع هذا، ستُقدم إجابات وتفسيرات وشروح لا حصر لها: الإمكانيات المالية المخصصة لإنتاج الفيلم الغربي هائلة جدا.. أدوات الإنتاج من كاميرات وأجهزة صوت وآلات تأثير بصري وحيل فنية وغيرها عالية الجودة والوفرة والدقة.. الأجور المادية للعاملين في الفيلم مغرية للغاية.. ثم: معاهد التمثيل والإخراج، ثقافة الممثل، حرية الكاتب والمخرج، انعدام الرقابة... إلى آخر ما يمكن أن يتم سوقه لتفسير قدرة الفيلم على الاستحواذ الكبير والتأثير العميق والشد المتواصل للمشاهد.

أسرار وألغاز
ليس من أسرار وألغاز -يقولون لك- في رفعة الفيلم الغربي، ليس من غوامض ومبهمات في نجاح السينما لديهم، فتمتثل لترابط المنطق، سوى أنك تظل متحيرا في قدرات معظم الأفلام الأوروبية الأميركية، أو غير العربية عموما، على التأثير والإبهار والمتعة والجاذبية التي تحققها!

هناك قوة ما -أكاد أقول سحرية- تمسك بك، سواء من بدايات الفيلم الغربي أو من وسطه أو حتى من نهاياته لتجعلك تتابع بفضول عالٍ مشدودا إلى ما سيحدث بعد ذلك؟! مهما كان الموضوع عاديا، مكررا، أو ممجوجا

رغم ما سبق، أعتقد أن هناك شيئا آخر يستعصي على البيان والضبط والتسمية، شيئا أعمق غورا وأبعد منالا وأوسع شمولا يميز السينما في دول الغرب ويمنحها كل تلك الطاقات عما عليه السينما في الدول العربية.

هل تراني أثبتُ ما أنكرته قبل قليل فأقول: هناك سر؟! أكاد أصل إلى ذلك مغامرا باحتمال احتجاج القارئ: ما من أسرار! أعطني إمكانيات وحرية وخبرات، أعطك مستوى سينمائيا رفيعا!

لا تنحصر المسألة، في اعتقادي، بالمعادلة السابقة. إذ إنك وأنت أمام شاشة التلفاز، تقلب قنوات العروض السينمائية باسترخاء ولامبالاة، ستقبض على انتباهك لقطةٌ من فيلم غربي، لقطة واحدة تصادف عبورها على الشاشة، فتنتزعك من استرخائك، وتطيح بلامبالاتك، لتجذبك إليها وتغريك بمتابعة اللقطات والمشاهد التي تليها حتى نهاية الفيلم!

قوة ما -أكاد أقول سحرية- تمسك بك، سواء من بدايات الفيلم أو من وسطه أو حتى من نهاياته لتجعلك تتابع بفضول عالٍ مشدودا إلى ما سيحدث بعد ذلك؟! مهما كان الموضوع عاديا، مكررا، أو ممجوجا، مهما كان محدودا أو كان خاصا بمعاناة مجتمعات أخرى بعيدة عن مشاكل مجتمعاتنا، أو كان من الخيال العلمي، أو كان من أفلام "الأكشن" والإثارة..  سيقبض الفيلم عليك ويشدك إليه بسبب من قوته (السحرية!).

هذه الطاقة وتلك القوة الفنية والقدرة على الجذب وزج المشاهد بأحداث الفيلم من أية نقطة فيه، وإثارة الفضول للمتابعة، وحفز التساؤل وتحقيق الاستمتاع... إلخ، هي ما تفتقر إليه السينما العربية والفيلم العربي!

عدد لا بأس به من الأفلام العربية يمكن سماعها من الإذاعة! وكم كبير من الأفلام لا تفترق عن محاضرات المفكرين والسياسيين في القاعات! وكم ممثل يرمي على رأسك الحجارة وأنت تتابعه! وكم آخر يقدم إليك التاريخ والجغرافيا وكل شيء إلا فن السينما وسحره ومتعته!

بلادة سينمائية
فهل علة السينما العربية وجود أزمات وكوارث سياسية اجتماعية اقتصادية تنيخ بثقلها على السينمائيين العرب فتكبل أفلامهم، وتجعلها أشبه بالمواعظ، أو بموجز مرئي لكتاب فكري أو بحث اجتماعي أو دراسة سياسية؟ أم أن العلة في السينمائيين أنفسهم الذين ما زالوا يتعاملون مع الفيلم على أنه أداة في معركة المصير، وبالتالي فـ"كل شيء للمعركة" وفق الشعار العربي العتيد؟

السمة الغالبة على السينما العربية هي إصرار المشتغلين في حقلها على أن تكون سلاحا ماضيا في معركة الوجود العربي يُغلّب الموضوع والمضمون على المستوى الفني الأخاذ

لا أهمية لذكر فيلم ناجٍ من الظاهرة هنا، وفيلم آخر هناك، فاستثناء كهذا من شأنه تأكيد الظاهرة لا نفيها. السمة الغالبة على السينما العربية إصرار المشتغلين في حقلها على أن تكون سلاحا ماضيا في معركة الوجود العربي يُغلّب الموضوع والمضمون على المستوى الفني الأخاذ.

ثمة سبب أو أسباب كامنة خلف بلادة السينما العربية، أو ثقل ظلها، أو خطابيتها، أو باختصار: فقدانها سحر الفن السابع وإمتاعه. أمر كهذا يحتاج إلى دراسة مطولة. وثمة سبب أو أسباب كامنة خلف الفيلم الغربي وقدرته على اختطافنا من أي مشهد فيه، وترغيبنا في متابعته حتى نهايته.

ثمة ما يمكنه من المكوث في ذاكرتنا ومشاعرنا، نستعيده ونبدي إعجابنا به في كل حديث عن الفن السابع، في حين يندر أو ينعدم أن تغمرنا الغبطة، وأن يعاودنا الشعور العميق بالإعجاب بالمستوى الفني لفيلم عربي؟

وبالعودة لسؤال البداية: هل لأحد منا أن ترتعش روحه وتغتبط لو هو استعاد تذكر فيلم، أو بضعة أفلام فحسب، في السينما العربية؟ إنْ كان الجواب سلبا -وهو ما أراه- فلماذا؟ سنجتهد في تقديم الأسباب والعوامل ولكن من دون أن يغادر واقع السينما العربية مواقعه!
________________

* كاتب وقاص سوري 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة