مستويات الأمية الثلاثة في القرن الحادي والعشرين   
الجمعة 1437/9/19 هـ - الموافق 24/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:54 (مكة المكرمة)، 13:54 (غرينتش)

*عبد القادر الكاملي

كان يُنظر إلى محو الأمية في العقود القليلة التي سبقت نهاية القرن الماضي، على أنها الأداة الرئيسة للقضاء على الفقر على المدى الطويل، وعلى أنها من متطلبات الحد الأدنى لأي مجتمع يسعى نحو تحسين اقتصاده، والحصول على فرص متساوية للمنافسة على المستوى العالمي.

وفي وقت ما تزال فيه كثير من الحكومات العربية تصارع مسألة محو الأمية بمفهومها التقليدي، برز واقع جديد حمل معه مفاهيم جديدة للأمية تتجاوز مفهوم الجهل بالقراءة والكتابة، مما رفع -بشكل دراماتيكي- مستوى الصعوبات أمام البلدان النامية للحاق بالبلدان المتقدمة.

يتطلب القرن الحادي والعشرين مهارات عديدة أهمها: القدرة على تحديد المعلومات التي نحتاج إليها، وتحديد طريقة الحصول عليها، وتقييمها، ومن ثم استخدامها بفعالية لمعالجة قضية أو حل مشكلة. ويطلق على غياب هذه المهارات "الأمية المعلوماتية".

ويتطلب عالم اليوم أيضا مهارات التفكير النقدي والابتكار والتعلم الذاتي المستدام، ويطلق على غياب هذه المهارات "الأمية المعرفية".

تتزايد أعداد من يمتلكون مهارات الحاسوب والإنترنت في العالم العربي باستمرار، لكنها لا تزال أدنى بكثير من مثيلاتها في البلدان المتقدمة، بل ما زال معدل الأمية التقليدية مرتفعا في بعض الدول العربية، مما يشكل هدرا كبيرا للموارد البشرية.

على الجانب المضيء، فإن قطر سجلت أفضل معدل معرفة بالقراءة والكتابة في البلدان العربية ضمن الشريحة 15 سنة وما فوق، بلغ 97.8%، تبعتها الأردن بمعدل بلغ 96.7%، والكويت بمعدل بلغ 96.2%

إحصائيات
تشير الحسابات المرتكزة على إحصائيات منظمة اليونسكو إلى أن معدل معرفة القراءة والكتابة في البلدان العربية ضمن الشريحة العمرية من 15 سنة وما فوق، بلغ نحو 80% عام 2015، وهي نسبة تقل بستة نقاط مئوية عن المعدل العالمي البالغ 86% في العام نفسه.

ووفق إحصائيات اليونسكو لعام 2015، تجاوز معدل معرفة القراءة والكتابة 85% في نصف البلدان العربية فقط. وتمثل اليمن أسوأ حالة، حيث سجل معدل معرفة القراءة والكتابة فيها 70% فقط، بينما سجل المغرب 72% والسودان 76%، أما مصر -أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان- فقد بلغ المعدل فيها 75%.

وعلى الجانب المضيء، فإن قطر سجلت أفضل معدل بلغ 97.8%، تبعتها الأردن بمعدل بلغ 96.7%، والكويت بمعدل بلغ 96.2%. ويبدو أن تقديرات اليونسكو لمعدلات الأمية في قطر وباقي بلدان مجلس التعاون الخليجي، لم تشمل العدد الكبير من العمالة الأجنبية غير الماهرة التي ترتفع بينها نسبة الأمية بشكل كبير، مع العلم أن العديد من المؤشرات الأخرى الصادرة عن الأمم المتحدة تستخدم العدد الإجمالي للسكان والذي يشمل كافة المقيمين على أرض الدولة، ولهذا نجد أن من الضروري مراجعة منهجية احتساب معدلات الأمية في بلدان مجلس التعاون الخليجي مع منظمة اليونسكو، ونشر هذه المنهجية بهدف إتاحتها للنقاش.


القضاء على الأميتين المعلوماتية والمعرفية يتطلب تغيير الدور التقليدي الذي تلعبه الجامعات العربية حاليا إلى دور فاعل، ليس فقط على صعيد البحث العلمي، بل على صعيد الابتكار أيضا

تحد ثلاثي الأبعاد
تواجه العديد من الدول العربية تحديا ثلاثي الأبعاد يتمثل في القضاء على الأمية التقليدية من جهة، والأميتين المعلوماتية والمعرفية من جهة أخرى، وهذا يتطلب بناء بيئة معرفية تستبدل مفهوم التعليم (teaching) بمفهوم التعلّم (learning)، انسجاما مع الحكمة المعاصرة التي تقول: "المعرفة لا تُمنح من قبل المعلم، بل تُصنع بواسطة المتعلم".

هذه البيئة يجب أن تسهل وتشجع الفرد على اكتساب مهارات التعلم والتدرب الذاتي المستدام مدى الحياة، مع التركيز على مراجعة ما تم تعلمه سابقا ومعاودة التعلم. يقول المفكر الأميركي ألفين توفلر "الأميون في القرن الحادي والعشرين ليسوا أولئك الذين لا يستطيعون القراءة والكتابة، بل أولئك الذين لا يستطيعون التعلم، ونقض ما تعلموه، ومعاودة التعلم من جديد"، وسبقه إلى هذا المفهوم قبل أكثر من ألف عام المفكر العربي محمد بن عبد الجبار بن حسن النفري، بقوله "العلمُ المستقر، جَهْلٌ مستقر".

ويتطلب القضاء على الأميتين المعلوماتية والمعرفية أيضا، تغيير الدور التقليدي الذي تلعبه الجامعات العربية حاليا إلى دور فاعل، ليس فقط على صعيد البحث العلمي، بل على صعيد الابتكار أيضا. ففيما يؤدي البحث العلمي إلى توليد معرفة جديدة، فإن الابتكار يؤدي إلى إنتاج سلع وخدمات جديدة مبنية على تلك المعرفة.

وبينما يعتبر القضاء على الأمية التقليدية والوصول إلى معرفة القراءة والكتابة، مسؤولية تقع بكاملها تقريبا على عاتق الحكومات، وبمساعدة من الهيئات غير الحكومية وقادة المجتمع؛ فإن الهدف الثاني المتمثل في القضاء على الأميتين المعلوماتية والمعرفية لا يمكن أن يتحقق إلا بتضافر جهود الحكومة والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص، وخاصة المؤسسات الكبيرة التي بإمكانها أن تقدم نموذجا يحتذى به بالنسبة لموظفيها وللمجتمع ككل، من خلال توفير فرص إعادة تأهيل الموظفين باستمرار بما يناسب التطورات التكنولوجية العاصفة في عالم اليوم.
____________
* مستشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة