هلال العيد.. حسابات فلكية أم رؤية بصرية   
الأربعاء 1437/9/25 هـ - الموافق 29/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:46 (مكة المكرمة)، 14:46 (غرينتش)

*هاني ضليع

في الرابع من تموز/يوليو 2016 الموافق ليوم الاثنين 29 رمضان 1437 للهجرة، سيخرج المتحرون لاستطلاع هلال عيد الفطر المبارك، حيث يكون القمر قد عبر نقطة اقترانه مع الشمس يوم الترائي في تمام الساعة الثانية ودقيقة واحدة ظهرا بتوقيت مكة المكرمة، وبذلك يكون عمره لحظة غروب الشمس في مكة المكرمة (النقطة المرجعية لتقويم أم القرى) ست ساعات وست دقائق، وسيكون قد غاب قبل غروب الشمس بثلاث دقائق. وهذا يعني أن رؤيته مستحيلة من جميع مناطق الوطن العربي وبقية أرجاء العالم؛ وعليه فيكون الثلاثاء هو المتمم لشهر رمضان المبارك.

وحيث إن الأصل في الهلال أن يكون صغيرا في ليلته الأولى، فإنه من الناحية العملية سيظهر كبيرا في الليلة التالية، ليمكث بعد غروب الشمس حتى وقت العشاء. وهنا ثمة مغالطة يقع بها عوام الناس، حيث يعتقدون أن الشهر قد دخل متأخرا بسبب حجم الهلال أو فترة مكثه، إذ إنه لا يعوّل في علم الفلك على سمك الهلال ولا مدة مكثه، فالحسابات الفلكية أدق من أن تخطئ في ذلك، وإنما علينا أن ندرك أن الهلال الذي يُشاهد في مكان ما على الكرة الأرضية بالعين المجردة، يلزمه استخدام تلسكوبات وأجهزة رصد متطورة كي يشاهد في أماكن أخرى، في حين أنه في أماكن ثالثة لا يرى أبدا؛ وكل ذلك بسبب دوران القمر حول الأرض وابتعاده عن الشمس كلما اتجهنا غربا على الكرة الأرضية. ولم يثبت تاريخيا -طبقا للمواقع الفلكية العالمية- أن رُئي الهلال بالتلسكوب بعمر أقل من 11 ساعة.

وتعمل لجان الأهلة في مختلف الدول العربية والإسلامية على تحري هلال رمضان وعيد الفطر، غير أن الفلكيين الذين يعتمدون حساب موضع الهلال بالنسبة للشمس ومن ثم إمكانية رؤيته بحسب التسجيلات العلمية الإحصائية لأهلة الشهور المختلفة عبر عشرات السنين، لم يسبق لهم -للأسف- أن رأوا الهلال قبل أن تعلن عنه رسميا أغلب الدول العربية، إذ ثمة شروط يجب أن تتوفر في الهلال كي يعثر عليه الفلكيون والهواة المتمرسون على أقل تقدير، ومن ثم عامة الناس وذوو الخبرة القليلة.

فمن أجل أن يُرى الهلال، يجب أن تتحقق شروط ثلاثة أساسية هي: أولا، ولادة الهلال قبل غروب الشمس، والمقصود هنا انتهاء دورته الشهرية حول الأرض وبدء دورة جديدة. وثانيا، أن تغرب الشمس ويبقى موجودا بعدها فوق الأفق الغربي. وثالثا، أن يمكث في السماء بعد غروب الشمس زمنا لا يقل عن نصف ساعة كحد أدنى، وأن لا ينخفض ارتفاعه فوق الأفق الغربي أقل من مسافة خمس درجات (أي عشرة أمثال قطر القمر).

هلال شهر شعبان 1437 كما رصد من الكويت (الجزيرة)

غير أن ثمة إشكالية حقيقية تواجه الفلكيين في كل مرة يحاولون فيها تحري الهلال في موعده المناسب، وهي قضية اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان بحسب تقويم أم القرى (الذي هو تقويم مدني بحت).

فاليوم التاسع والعشرون من أي شهر (قمري تقويمي) هو أحد أيام الشهر المدني الذي وضع لتلبية حاجات الناس ومواعيد أعمالهم وأسفارهم وشؤونهم اليومية، فالمملكة العربية السعودية هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تزال تعتمد التقويم القمري تقويما رسمي للدولة، وهو أمر يحسب لها. غير أن المعيار الذي وضع على أساسه هذا التقويم مكون من شرطين لا ثالث لهما: الأول، حدوث الاقتران قبل غروب شمس مكة المكرمة ولو بدقيقة واحدة. والثاني، غروب القمر بعد غروب شمس مكة المكرمة ولو بدقيقة واحدة، فإن تحقق الشرطان عد اليوم التالي الأول من الشهر القمري الجديد.

وبذلك لم يبدأ الشهر اعتمادا على رؤية الهلال وإنما على حساب موضع القمر فقط. فإذا كان اليوم التاسع والعشرون (الذي لا يلزم بالضرورة الشرعية والرؤية البصرية للهلال أن يكون كذلك، فربما كان الثامن والعشرين) تنادى الناس أن هلموا لرؤية الهلال، فإن جاء من يشهد برؤيته دخل رمضان أو شوال، وإلا فيكمل الشهر ثلاثين وفقا للتقويم دون الرؤية.

وبسبب ذلك، لم يسبق -غالبا- لأي فلكي في الوطن العربي أيا كانت خبرته ووسائله البصرية، أن رأى هلالا في ذلك اليوم، بل اعتاد الفلكيون انتظار يوم آخر كي يتحقق لهم ما يريدون. وعادة يكون التحري العلمي للهلال لدى الفلكيين في الليلة الثالثة للتحري الرسمي، إن تحققت فيها شروط رؤيته أيضا.

خريطة توضح إمكانية رؤية هلال شوال 1437هـ حيث يرى بالعين المجردة في المناطق الخضراء وبالوسائل البصرية في المناطق ذات الألوان الأخرى (الجزيرة)

وبافتراض تحقق الشروط الثلاثة، فإن للفلكيين طرقا لرؤية الهلال، آخرها وأسهلها العين المجردة. إذ إن حساب موضع الهلال لا يحتاج إلى خبرة الرصد بالعين المجردة فقط، فلربما خفي الهلال عن منال العين فلا تراه رغم بقائه في السماء بعد الغروب، ولهذا يعمد الفلكيون إلى برمجياتهم الفلكية الشديدة الدقة لمتابعة القمر وتغير موضعه في السماء بعيد غروب الشمس.

ومن هذه الوسائل التي تعين على رؤية الهلال، المنظار المزدوج العينية (الدربيل أو الناظور)، إذ يعد أفضل وسيلة لرؤية الهلال خصوصا إن كانت عدساته كبيرة، فهي تجمع أضعاف أضعاف ما تستطيع العين المجردة أن تجمعه من الضوء، ويستطيع في الوقت ذاته أن يرى مساحة كبيرة جدا من السماء.

ثم يأتي التلسكوب أو المرقاب في الدرجة الثانية، إذ بسبب قدرته العالية على التكبير، فإن حقل الرؤية في السماء الذي يظهر من خلف عدسته يكون صغيرا جدا، فإذا لم يكن هذا الجهاز موجها بدقة نحو موضع الهلال، فإن عملية البحث تبيت شاقة على مستخدمه.

لكن أصعب جزء في العميلة الرصدية هو البحث عن موضع الهلال ذاته بعد الغروب. فبسبب دوران الأرض حول نفسها يتغير موضع الهلال كل دقيقة متجها نحو المغيب، ولهذا فإن معرفة أين يبحث المتحري أمر يحتاج إلى خبرة أيضا.

هواة فلك ومتحرون خلال تجمع العام الماضي في الأردن لرصد هلال شهر رمضان المبارك بمختلف الوسائل البصرية (الجزيرة)

ومن أجل ذلك طور بعض هواة رصد الأهلة العرب وسيلتين يدويتين من أجل متابعة الهلال بعد غروب الشمس أنجزتا وفق برمجيات فلكية متخصصة، أولاهما مخطط يعرف باسم "مخطط الصبار-الضليع لمتابعة القمر بعد غروب الشمس" وهو جهد عراقي أردني، مكون من شفافية يرسم عليها مواضع القمر كل خمس دقائق بعد غروب الشمس، مع حفظ موضع غروب الشمس كنقطة مرجعية حيث يتم الإمساك بها على مد اليدين ويبحث عن الهلال في الموضع الذي يشير إليه وقت الساعة في تلك اللحظة.

والثانية تدعى نوافذ الأهلة، وقد طورها أحد الفلكيين السعوديين، وهي بطاقة ورقية مقسمة إلى مربعات على شكل نوافذ يعرف من خلالها موضع القمر يوم التاسع والعشرين من الشهر القمري، وتتم متابعة حركته في السماء وفقا لذلك. وقد أثبتت كلتا الوسيلتين فعاليتهما في العثور على الهلال في معظم الشهور التي تم فيها رصد الهلال الجديد.

وفي اليوم الثلاثين من  شهر رمضان الجاري سيرتفع القمر عشر درجات فوق الأفق الغربي، وستكون رؤيته ممكنة بالعين المجردة في السعودية واليمن والسودان، وممكنة بالوسائل البصرية في بلاد الشام والعراق. لكن هذا الرصد العلمي هو لمجرد النشاط الفلكي، حيث سيكون الناس في معظم البلدان العربية والإسلامية قد أنهوا صيام شهر رمضان وأعلنوا موعد عيد الفطر الذي يوافق يوم الأربعاء السادس من شهر يوليو/تموز 2016. وكل عام وأنتم بخير.


____________
* عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة