"جيمس جويس في منافيه" وبرأس كاتب تونسي   
الأحد 1437/5/20 هـ - الموافق 28/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)

كمال الرياحي-تونس

على عادة كبار الكتاب الذين يخصون كتابا آخرين بكتب يتذكرون فيها حكاياتهم مع القراءة والتعرف على عوالمهم كما سبق أن كتب ألبرتو مانغويل عن بورخيس وما كتبه ماريو فارغاس يوسا عن قراءاته وما كتبه هنري ميللر عن الكتب في حياته، يخص حسونة المصباحي الروائي الأكثر شهرة في العالم جيمس جويس بكتاب خاص تحت عنوان "جيمس جويس في منافيه".

يحاول المصباحي في هذا الكتاب ذي النفس السردي الذي صدر مؤخرا عن دار آفاق التونسية، أن يتذكر كيف تعرف على صاحب رواية "عوليس" وتحول ذلك إلى استيطان كاتب عملاق هو جويس
(1882-1941) رأس كاتب عربي شاب -المصباحي- ليحدد مساره وقدره الأدبي.

يمثل الكتاب مأزقا أجناسيا بالنسبة لقارئ عادي، فهو يبدو غريبا جمع فيه المصباحي ما ترجمه من حوارات لجيمس جويس، وخواطر شخصية عن جويس وعن العلاقة التي جمعت عزرا باوند وجيمس جويس، ورسائل جويس إلى زوجته، وزيارة قبر جويس.

يبدأ الكتاب بنفس سيري تعودنا عليه في الأدب الذاتي ليستعيد المصباحي عبر معرفته بجويس فترة مفصلية من حياته تمثلت في وصوله إلى العاصمة تونس، فيكتب ذلك في نفس سردي يجعل من الكتاب أكثر حميمية ويخرجه من الطابع الوثائقي أو النقدي الذي يوحي به العنوان.

يروي المصباحي قصة تعلق الفتى الجنوبي الذي يأتي من القيروان على تخوم الصحراء التونسية بعوالم كاتب أيرلندي يخرج من الضباب ويمضي إليه من تحت الثلوج.

فالسيرة ليست سيرة غيرية كما يبدو، إنما هي سيرة الكاتب نفسه يقرأها في ضوء علاقته بجيمس جويس ليستهل الكتاب بقوله "يرتبط اكتشافي لجيمس جويس باكتشافي لأفكار الطليعة الأدبية في تونس أواخر الستينيات من القرن الماضي. وقتها كنت في الثامنة عشر من عمري. وكنت قد غادرت للتو الريف المغبر الأجرد حيث أمضيت طفولتي وشطرا من مراهقتي لأدخل العاصمة من بابها الجنوبي باب عليوة وفي رأسي أحلام وطموحات بألوان قوس قزح".

قصة فتنة
يمضي صاحب كتاب "هلوسات ترشيش" في الحديث عن لحظات معانقة العاصمة والتي أراد أن يدخلها من مكتباتها ولم يكن وقتها قد عرف جويس الذي أحدث وقتها "ثورة فنية هائلة في مجال الكتابة القصصية والروائية".

ويأخذ المصباحي في سرد قصة فتنته بعوالم جويس بداية بـ"أهالي دبلن" وخاصة قصته "الموتى" ليراها مدخلا لفهم روايته "صورة الفنان في شبابه" و"عوليس".

يروي المصباحي قصة تعلق الفتى الجنوبي الذي يأتي من القيروان على تخوم الصحراء التونسية، بعوالم كاتب أيرلندي يخرج من الضباب ويمضي إليه من تحت الثلوج. صورة بديعة لسطوة خيال كاتب عملاق مثل جويس على مخيال كاتب تونسي شاب نزل العاصمة حالما.

وستكون هذه الذكريات دافعا للمصباحي ليتوقف عند روايات جويس ليروي حولها الروايات ومراحل تكونها وهي أجنة في دماغ الكاتب والحكايات الحافة بإنتاجها. كل ذلك دون أن يغفل المصباحي عن ترهين الحديث عن جويس بانطلاقته الإبداعية وأثر التعرف على جويس بهذه الخطوة الأولى للكاتب فيكشف تأثره بأهالي دبلن في مجموعته القصصية الأولى "حكاية جنون ابنة عمي هنية"، ودخل في مقارنة بين المجموعتين واختيار كل منهما أن تدور جميع الأحداث في مكان واحد حتى التبس على النقاد تصنيف النصين إن كانا رواية أو مجموعة قصص.

ولعل أروع ما في تلك الأبواب الأولى من الكتاب ما رواه المصباحي عن صعوبة قراءة رواية "عوليس" أمام كاتب شاب يعلم جيدا أنها أهم رواية في العالم وعليه أن يقرأها ليكون فعلا كاتبا، وصعوبة هذه الرواية التي تنغلق عوالمها ويفشل الفتى في فك شفرتها كل مرة ولم ينجح إلا عندما عثر على تفسيرات نابوكوف لها بعد سنوات عندما حل الصباحي بفرنسا في طريقه إلى ألمانيا.

يبدأ الكتاب بنفس سيريّ تعودنا عليه في الأدب الذاتي ليستعيد المصباحي عبر معرفته بجويس فترة مفصلية من حياته تمثلت في وصوله إلى العاصمة تونس.

عالم حميمي
ينقلنا بعد ذلك المصباحي إلى عالم جويس الحميمي من خلال رصد علاقته بعزرا باوند ليكشف عن أسرار هذه العلاقة وقصة أنطولوجيا شعراء الصورة  التي كان يعدها باوند ليكون الحديث عن هذه الصداقة ذريعة للحديث عن جويس عازف البيانو، وجويس المطارد التائه في المنافي، وجويس الشاعر الذي ظل مجهولا لبعض الوقت خاصة عربيا قبل أن تترجم مختارات من شعره الفلسطينية ريم غنايم.

وظل صاحب "وداعا روزالي" طوال الكتاب ينبش في سيرة صاحب "أهالي دبلن" ليعرج على رسائله إلى زوجته نورا بارناكل التي لم تكن سوى منظفة غرف في أحد الفنادق عندما التقاها جويس وأحبها.

ستكون تلك الرسائل خيطا آخر يستعيد به المصباحي قصة كتابة "عوليس"، تلك الرواية التي أرقته في شبابه وانغلقت عليه شفراتها. لينهي المصباحي هذا القسم الذاتي من الكتاب بزيارة قبر جويس في زيوريخ. قبل أن ينهمر صوت جويس من خلال عدد من الحوارات التي نقلها لنا المصباحي المترجم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة