متحف أرض اللبان.. تاريخ عمان   
الخميس 1432/6/24 هـ - الموافق 26/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:33 (مكة المكرمة)، 14:33 (غرينتش)

متحف أرض اللبان بصلالة في متنزه البليد الأثري على ساحل بحر العرب (الألمانية)

كل شيء في مدينة صلالة العمانية مزدحم وباذخ، فكما أن الشوارع مزدحمة إلى حد التوقف فإن الجمال الطبيعي والبشري باذخ، كل شيء في هذه المدينة جميل، الغيوم تنزل بحنو لتعانق الجبل وتسير برهافة وشفافية على وجوه البشر، لكن الرحلة إلى صلالة لا تكتمل إلا بزيارة متحف أرض اللبان.

ورغم أن المتحف يحتوي على قاعتين فقط الأولى القاعة البحرية والثانية قاعة التاريخ، فإنه استطاع أن يختزل جانبا مهما من التاريخ العماني، مفردات قد نمر عليها في تفاصيل الحياة والتاريخ مرورا عابرا، لكنها حتما عميقة من حيث صناعة أي حضارة من حضارة البشرية.

والبحر مدخل مهم في معرفة تاريخ شبه جزيرة عمان "عمان التاريخية"، وقد استطاع المتحف أن يوظف مفردات علم البحر لاستقراء التاريخ، أو فتح مجالات لقراءة التاريخ من زواياه التي تعطي أفقا أكبر للرؤية.

مجسم لسفينة شراعية في المتحف (الألمانية)
القاعة البحرية
عند العتبة الأولى في القاعة البحرية وأنت تهم بالدخول، يقع بصرك على مجموعة من مجسمات لسفن شراعية، وأول ما يعانق عينيك مجسم سفينة "الغنجة"، وهي من أشهر السفن العمانية التقليدية، وتتمازج فيها المؤثرات العربية والغربية.

كانت سفينة "الغنجة" تستخدم في التجارة بين عُمان وشرق أفريقيا والهند حتى القرن العشرين. و"الغنجة" ليست سفينة واحدة، بل مجموعة سفن يطلق على السفينة التي تحمل مواصفاتها اسم "الغنجة"، وتقول المصادر التاريخية أيضا إنها استبدلت الأشرعة المثلثة العربية بأشرعة مربعة غربية.

وليس ثمة مسافة طويلة بين "الغنجة" و"البوم"، ولا تنقص سفينة "البوم" تفاصيل الجمال عندما تنظر إليها، ويستطيع بصرك أن يحتويها من زاوية رؤية واحدة.

ورغم أن "البوم" ظهرت في القرن العشرين فإن تاريخ استخدامها يمتد إلى عصور قديمة، حيث تتشابه تشكيلة الهيكل فيها مع تلك السفن التي ظهرت منذ 500 إلى 1000 سنة، ويتراوح حجمها بين 15 و37 مترا.

يستغرقك الحديث مع التاريخ وأنت تقرأ عن "البوم" لولا أن سفينة مجان تناديك، ومجسم سفينة مجان هو إعادة افتراضية لبناء السفينة التجارية التي يعود تاريخها إلى منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، اعتمادا على علم التصوير الجداري (الأيقونات)، وعلى الأدلة المباشرة التي تم العثور عليها في منطقة رأس الجنز بالمنطقة الشرقية.

وحسب مجسم السفينة فإن "مجان" تضم حزما من مادة القصب المربوطة معا بحبال مرنة وغير سميكة، مع وجود حصير مصنوع من السعف والألياف لتغطية الهيكل المصنوع من القصب.

سفن أخرى تغريك في المتحف لتستنطق تاريخها مثل البتيل الحربي، والشاشة، والهوري، والبقارة، والبغلة، والكمباري، وهي تتراوح بين المراكب الصغيرة والسفن الكبيرة.

علم الإبحار
لا شك أن البحر مدخل مهم في معرفة تاريخ شبه جزيرة عمان "عمان التاريخية"، وقد استطاع المتحف أن يوظف مفردات علم البحر لاستقراء التاريخ، أو فتح مجالات لقراءة التاريخ من زواياه التي تعطي أفقا أكبر للرؤية
في زاوية من زوايا قاعة البحر نجد نسخة طبق الأصل من ختم من بلاد الرافدين يمثل آلهة الشمس على ظهر قارب يرجع إلى الفترة الأكادية (2334- 2154 ق.م)، وهي مقدمة من المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو.

وليس بعيدا عن ذلك نشاهد لوحة مسمارية عبارة عن سجل يوثق النشاط التجاري خلال الألف الثالث قبل الميلاد في منطقة جيرسو (حضارة بلاد الرافدين)، وهي توفر معلومات قيمة عن أساليب ومواد البناء في تلك الحقبة، ومن تلك المواد مادة القار المستخدمة في بناء سفينة مجان.

ومن بين المعروضات في هذا المجال إسطرلاب النقاش للصانع أحمد بن محمد المهذب النقاش ويعود إلى عام 1080 وإسطرلاب النيسابوري للصانع سهل النيسابوري ويعود لعام 1299، والبوصلة وهي عبارة عن مغناطيس يتحرك بحرية على محور ويشير طبيعيا إلى الشمال.

وصنعت البوصلة التي يعرضها المتحف في المملكة المتحدة عام 1820، كما يعرض المتحف الكرة السماوية لعالم الفلك عبد الرحمن الصوفي، الذي عاش في الفترة من (903-986م) وكان الصوفي من كبار علماء الفلك والتنجيم ومن أعظم فلكيي الإسلام.

قاعة التاريخ
أول ما يلاقيك وأنت تدخل قاعة التاريخ خارطة ضخمة للسلطنة تجسد تنوعها الجغرافي، وإذا جلت ببصرك ناحية اليمن فستشاهد مجسما للفلج العماني (نظام توفير المياه).

ويمكن للزائر أن يعتقد أن وضع مجسم الفلج في تلك الصدارة بالمتحف كان موفقا إلى حد بعيد، فهو معلم من أهم معالم براعة العمانيين الهندسية والفكرية،  وقد تم اعتماد نظام الأفلاج في عمان في قائمة التراث العالمي الثقافي والطبيعي التابع لمنظمة اليونسكو 2006.

إحدى المخطوطات في متحف أرض اللبان العماني في صلالة (الألمانية)
ويختزل المجسم حكاية الأفلاج من بدايتها إلى نهايتها، ويقدم المتحف في قاعته الثانية مجموعة كبيرة من الآثار التي تعود إلى حقب تاريخية غابرة منذ العصور الحجرية، ويستطيع الزائر أن يقف على أقدم المستوطنات البشرية في عُمان التي تعود إلى 5000 عام قبل الميلاد.

ويعرض المتحف رسما افتراضيا لقلعة شصر/وبار، وتشير المصادر التاريخية وقدماء الجغرافيين إلى أن موقع "وبار" من المراكز التجارية المهمة، ومع اكتشاف الموقع بالأقمار الصناعية بدأت برامج المسح والتنقيب للتحقق من هويته وملامحه المعمارية.

وتشير الدلائل إلى أن الموقع كان مأهولا منذ العصر الحديدي إلى العصور الإسلامية المتوسطة، كأحد مراكز قوافل تجارة اللبان في جنوب الربع الخالي، ويبعد الموقع عن مدينة صلالة حوالي 170 كم إلى الشمال.

ومن بين ما يشدك في قاعة التاريخ أيضا صورة كبيرة لوصول العمانيين إلى الصين، حيث تظهر الصورة الشيخ عبد الله العماني يستقبله إمبراطور الصين جن سونغ عام 1050، والصورة بريشة البروفيسور يوجين هاربر جونسن.

ومن بين الصور الأكثر إبداعا والتي توجد نسخ طبق الأصل منها في المتحف، لوحة التحرير ليوجين هاربر جونسن التي تجسد المعركة بين العمانيين والبرتغاليين، ويرسم نفس الفنان لوحة لوصول أحمد بن النعمان إلى ميناء نيويورك في 30 أبريل/نيسان 1840 كمبعوث إلى الولايات المتحدة الأميركية من قبل السيد سعيد بن سلطان.

كما تقرأ على ردهات المتحف جزءا من نص الاتفاقية التجارية الموقعة عام 1844 بين عمان وفرنسا، وجزءا من نص اتفاقية الصداقة والتجارة والملاحة بين عمان وبريطانيا الموقعة عام 1839.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة