الصليبي يفند أسس نظرية أرض الميعاد   
الأحد 10/6/1431 هـ - الموافق 23/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 22:09 (مكة المكرمة)، 19:09 (غرينتش)
نظرية الصليبي أثارت استهجان اليهود (الجزيرة نت)

حاوره في بيروت-نقولا طعمة 

لم يكن ينقص النظرية التي أطلقها المؤرخ اللبناني كمال الصليبي بداية ثمانينيات القرن الماضي، ومؤداها أن التوراة جاءت من شبه جزيرة العرب، سوى انضمام علم الفلك ليعطيها بعدا علميا قاطعا لا جدال فيه، كما يقول الصليبي.

فقد كشف عالم الفلك البريطاني أنطوني لياس حدثا توراتيا من منطلق علمي فلكي يثبت استحالة أن تكون فلسطين هي أرض الميعاد كما تزعم الحركة الصهيونية، التي أطلقت نظريتها عن حق اليهود في إقامة دولة لهم في فلسطين. فإلى نص الحوار مع الصليبي:

 خلاصة أبحاثك، هل تعتبر تجارب أم أفكارا أم حقائق أم نظرية..؟ ماذا تسميها؟

إلى حد شهر سبتمبر/أيلول 2009 كان ما قمت به "نظرية" تبنيتها واقتنعت بها 100% واقتنع كثيرون بها، وكثيرون رفضوها. ومنذ ذلك الحين طرأت مستجدات، وآخرها أن بريطانيًّا، لم أكن أعرفه، يعمل في مجال الفلك، وقد قرأ كتابي الأول الذي تناولت فيه النظرية وهو "التوراة جاءت من جزيرة العرب" الذي صدر بالإنجليزية سنة 1985، أرسل لي كتابا في سبتمبر/أيلول 2009. منذ ذلك الحين، ما كنت أعتبره نظرية صار واقعا لا جدل فيه.

والواقع أنه لفت نظري إلى مقطع في التوراة يقول إن الملك حزقيا طلب من النبي أشعيا، بين سنتي 700 و800 قبل الميلاد، يقول له: عمري 21 سنة وأنا أواجه الموت، اطلب من الله أن يمد في عمري. فيقوم النبي أشعيا يصلي، ويعود فيخبر الملك أن الله كلمه وأنه سيمده 15 عاما إضافيا. والعلامة هي أن خيال الميل (العقرب) للساعة الشمسية الموجودة في دار الملك سيرجع إلى الوراء بقدر ما كان تقدم. وهذا ما حصل.

ما يجري عادة هو أن الشمس تشرق من الشرق، فيكون خيال الميل للساعة الشمسية عند الطرف الآخر من سطح الساعة. وكلما تقدمت الشمس تراجع الخيال نحو الوسط ثم نحو الطرف الآخر المعاكس لحركة اتجاه الشمس.

غير أن أمرا آخر يحدث بين مداري السرطان والجدي، وتحديدا أواخر شهر يونيو/حزيران وأوائل شهر يوليو/تموز، حيث أطول أيام السنة، وهو أن خيال الميل يتقدم من الشرق نحو الوسط ويعود مكانه قبل الظهر، ثم بعد الظهر يحدث الشيء ذاته ولكن عكسيا. عرف أشعيا بهذه الظاهرة ونقلها للملك. ومثل هذه الظاهرة لا يمكن أن تحصل في القدس بفلسطين، بل تحصل في عسير التي تقع جنوبي مدار السرطان بين خطي عرض ١٧ و١٩ درجة.

وفي كتابي الأخير، تاريخية إسرائيل التوراتية، وضعت اسم هذا الفلكي، الذي هو أنطوني لياس، على غلاف الكتاب، كما ألحقت المعلومة الفلكية التي زودني بها في نص الكتاب لأنني اعتبرت أن هذه المعلومة البالغة الأهمية تكمل ما قمت به منذ العام 1985 في حقل الدراسات التوراتية.

 نعرف أن الباحث الموضوعي في أي شأن, وخاصة في التاريخ, لا تهمه مسألة من يستفيد ومن يتضرر من أبحاثه, فالحقيقة تكون بالنسبة له فوق أي اعتبار آخر. وبعد إطلاق أفكارك برزت ردود فعل متباينة عليها. في ضوء مواكبتك لهذه الردود، من تعتقد أنه يستفيد منها ومن يتضرر؟

ليس من الضروري أن يستفيد أو يتضرر أحد من النتائج التي توصلت إليها. المعلومات معلومات. إذا وجدت إشارات، يتبعها الإنسان فتتراءى له الأمور من خلالها بطريقة غير الطريقة التقليدية. وبعد أن يقول الباحث ما عنده، يترك للناس حرية القرار فيما إذا أعجبهم ما توصل إليه أم لم يعجبهم.

إذا كان السؤال يتعلق بالاستفادة السياسية, فأنا بعيد كل البعد عن السياسة، ولا أتعاطاها إلا من ناحية المبادئ. وأغلب الظن أنه لمدة معينة كانت بعض دول الخليج غاضبة من عملي. والمؤكد أن اليهود بصورة عامة، وليس إسرائيل فقط، تضايقوا مما جئت به. حتى أصدقائي من اليهود في العالم تحاشوا التعليق على عملي في حقل الدراسات التوراتية. وردة الفعل في الغرب عموما كانت الصمت التام تجاه ما كتبت.

توصل علماء الآثار الإسرائيليون إلى أن ما ثبت لديهم هو أن لا أثر لأي حدث توراتي على أرض فلسطين، وعندما يتناولون الأمر يقولون إنه ربما وجد مثل هذا الحدث في شمال شبه الجزيرة العربية, دون أية إشارة إلى عملي في الحقل.

وفي أميركا والغرب عموما، العلماء التوراتيون المسيحيون ما زالوا ساخطين عليّ منذ أن قمت بنشر أول كتاب لي في علم التوراة، ومنهم من سخط إلى درجة شتمي، لأن ما قمت به فيه إسقاط لنظرية عمرها ٢١٠ سنوات تفيد أن فلسطين هي أرض التوراة، وقد أنفقت مؤسساتهم المبالغ الهائلة لنبش أرض فلسطين دون أن يعثروا على شيء لا هناك, ولا في سوريا, ولا في العراق أو لبنان أو الأردن.

 في أبحاثك تعتمد على التوراة وثيقة مرجعية تاريخية. هل يمكن الاعتماد على التوراة لبناء البحث في الوقت الذي تُطرح علامات استفهام كثيرة عن مدى صحتها وصحة رواياتها؟

عملي الأساسي هو دراسة النصوص التاريخية. وأول ما قمت به في حياتي الأكاديمية هو دراسة النصوص التاريخية المارونية المتعلقة بتاريخ لبنان في الفترة التي نسميها "العصور الوسطى". فكل ما يتعلق بدراسة التاريخ ينطلق من منطلق نظري ولا يمكن إثباته بشكل قاطع. وليس هناك حقيقة تاريخية يقينية، إلا إذا دخل عامل علمي حاسم كالفلك أو علم الجيولوجيا أو غيرهما, حيث لا يستقيم الكذب, خلافا لعلم الآثار الذي يحتمل الكثير من الكذب والاختلاف في الرأي.

كان عملي الأساسي دراسة النصوص التاريخية وتفكيكها, حتى يتبين لي إلى أي مدى يمكنني أن استند إليها باعتبارها مصادر لكتابة التاريخ. وقد قمت بدراسة النصوص التوراتية على الأساس التفكيكي نفسه. وما التوراة الموجودة حالا إلا مجموعة كتابات أدبية وتاريخية لشعب من شعوب العرب البائدة اسمه بنو إسرائيل، وقد شاءت الظروف أن يبقى هذا الأدب مدونا، وبالتالي قابلا للتحليل والمعالجة حتى يومنا الحاضر.

اللغة العبرية لغة ميتة، وقد تم إحياؤها بطريقة مصطنعة في أواخر القرن التاسع عشر لتصبح لاحقا لغة دولة إسرائيل. وقد جاء إحياؤها بعد أن كانت لمدة 2500 سنة تقريبا لغة غير محكية, وإن بقي رجال الدين اليهود يستخدمونها, إلى جانب الآرامية, باعتبارها لغة ليتورجية (كهنوتية).

في التوراة أشياء غير مفهومة, وهذا ما يتضح من الملاحظات والتعليقات الكثيرة التي لا يكاد يخلو منها أي مقطع من النصوص التوراتية. هذه الملاحظات والتعليقات تقول مثلا: "الأصل العبري غير مفهوم،" أو "الأصل العبري غير واضح،" أو "الترابط النحوي في الأصل العبري غير مستقيم" إلخ. وبذلك يبقى المقصود من النص غير مفهوم تماما، ولا يمكن البت بمعناه.

وللوقوف على حقيقة الأمر بشأن المقاطع التوراتية غير الواضحة المعنى, يجب اللجوء إلى قواميس اللغة العربية. علما بأن العلاقة بين العبرية والعربية يمكن اعتبارها مماثلة للعلاقة بين اللهجات العربية المحكية والعربية الفصحى.

إذن, إذا استعصى فهم العبرية التوراتية في أي نص منها، يمكن الرجوع بكل ثقة إلى قواميس العربية، وهي اللغة المحكية منذ آلاف السنين والمدونة منذ حوالي ١٧٠٠ سنة وتتضمن أدبا شفهيا عريقا. وأذكر بالمناسبة أن اليهود وضعوا صرفهم ونحوهم تبعا للصرف والنحو العربيين في القرون الهجرية الأولى.

كان التاريخ يروى في القدم على شكل خرافات وأساطير، قبل أن يتحول إلى تاريخ بالمعنى الذي نعرفه اليوم. جرى تلاعب بنصوص التوراة, ليس مرة بل مرارا, لأن بني إسرائيل لم يكونوا موحدين سياسيا بالمعنى الكامل في أي وقت, بل كانوا منقسمين إلى أحزاب. وكان منهم مثلا من يحبذ النظام الملكي, ومنهم من كان يعارض الملكية ويفضل نهج الأنبياء. وحتى بين أنصار الملكية, كان هناك في البداية أناس يحبون داود، وآخرون يحبون شاول. لذلك, عندما تقرأ في التوراة عن داود تجده أحيانا رجلا سيئ السيرة، وأحيانا أخرى متدينا قديسا. هذه الروايات المختلفة تأتي ولا بد من مصادر مختلفة، لكل مصدر منها وجهة نظر معينة بشأن داود.

بناء على ما سبق, يمكن للباحث أن ينطلق في تحليل النصوص المختلفة من التوراة فيحدد مثلا الجهة المسؤولة عن كل مقطع منها, والدوافع المختلفة للأقوال المتناقضة بشأن أي موضوع تعالجه هذه النصوص.

علينا أن نأخذ النص أولا ونقوم بتحليله. وبعد طرح أي نظرية لا بد من التدقيق بها. ولكن في نهاية الأمر لا غنى عن التوراة لفهم تاريخ بني إسرائيل.

حقائق في القرآن

 ألا تعتقد أنه لا يمكن الاقتصار في البحث عن بني إسرائيل على التوراة فقط؟

نحن مجبرون على أن نعتمد على التوراة، ويمكن الاعتماد على القرآن حيث إن فيه معلومات لا يلاحظها الناس. إذا تحدثنا عن داود مثلا، نقرأ في التوراة أنه بعد أن مات شاول وأولاده، يقوم داود برثائهم ويأمر بني إسرائيل أن يتعلموا ما معناه بالعبرية "الرماية"، أي الرمي بالسهام. هم يترجمونها "أغنية القوس" التي تحكي كيف قتل شاول وأولاده. في هذا النص يمكن للقارئ أن يلاحظ ما زيد عليه من هنا، وألصق به من هناك، والذين ترجموه لليونانية أيضا افترضوا أنها يجب أن تكون أغنية، وهي "أغنية القوس". في مكان آخر، تقول رواية توراتية إن داود هجم على بني عمون، وأخذ منهم المدينة التي اسمها "ربّة"، وبعد ذلك أخرجهم منها، وأرسلهم إلى ما بعد "ملكان" وهو واد إلى الجنوب من مكة، أي حدود عسير الشمالية.

القصة تروى بطريقة معقدة جدا وهي أن داود ربطهم بسلاسل حديد. والنص يقول ذلك، والترجمة تقول إنه مررهم بأفران ونشرهم بمناشير من حديد.

أما في القرآن فهناك آية تتكلم عن داود (وألنّا له الحديد). ماذا يعني ذلك؟ السؤال يتناول هنا تليين الفولاذ الذي بدأ حوالي سنة 1000 ق.م. وهو في الحقيقة الزمن الذي عاش فيه داود.

وبعد ذلك يقول القرآن إن داود جعل لبني إسرائيل لبوسا يحميهم (أن اعمل سابغات) أي اعمل لهم دروعا تحميهم في حروبهم من السهام، وهذا يعني أن داود لم يأمر بني إسرائيل بتعلم "أغنية القوس" وإنما أمرهم بتعلم الرماية. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه المقاطع لم يكن من الممكن فهمها لولا الاستعانة بالقرآن حيث يأتي على ذكر داود.

إن الذين جمعوا النصوص التوراتية أتوا بمعلومات ووضعوها في رواية بني عمون عندما خرجوا من "ربّة"، ولم نعد نعرف أول القصة من آخرها.

ليس لدينا مصادر نستند إليها لمعرفة تاريخ بني إسرائيل سوى المراجع الدينية كالتوراة والقرآن. ولا يمكن الوصول بالبحث التاريخي إلى نقطة فاصلة إلا إذا "جاء الحظ لصالحك" ودخل على خط البحث البرهان العلمي كالفلك أو الجيولوجيا.

 ركزت بحوثك على أسماء الأماكن. هل تعتقد أن الاعتماد على الأسماء، دون بقية شروط البحث التاريخي كالوثائق والحفريات، يكفي لإثبات الحقائق التي تناولتها؟

عندما نرى كمية الأسماء التي استخرجتها ومدى تطابقها، فإنني أعتقد أن ذلك يكفي. وأنا لا أعالج الأسماء فقط، وإنما أقرأ النصوص. وقد قارنت النصوص بأسماء الأماكن ثم اعتمدت على القرآن الذي ساعدني كثيرا، فقد وقعت أحداثه في المكان ذاته. وربما كانت هناك نصوص في القرآن أقدم من النص التوراتي.. لا أعرف ولا أحد يعرف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة