كاتب جزائري: المبدع العربي لم يصنع الربيع   
السبت 1437/4/21 هـ - الموافق 30/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:14 (مكة المكرمة)، 12:14 (غرينتش)

المحفوظ فضيلي

في الحلقة التاسعة من سلسلة حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، نحط الرحال في الجزائر مع الروائي والأكاديمي الصديق حاج أحمد الذي لا يتردد في الإقرار بأن المبدع العربي لم يكن صاحب فكرة الربيع العربي في الأساس، وإن كان مساهما ورافدا من روافد هذا الربيع.

ويرى مؤلف روايتي "كاماراد" و"مملكة الزيوان" أن المبدع العربي حاول أن يواكب ويركب موجة الربيع العربي الذي جاء "نتاج دوائر خلفية، يمكن تسميتها بالدوائر الشبابية العاطلة، التي كانت فضاءات المقاهي وشبكات التواصل الاجتماعي مسرحا لها".

ولا يخفي الكاتب الجزائري تشاؤمه إزاء مآل ذلك الربيع، قائلا إنه سيبقى "مرتهنا من طرف الأنظمة القديمة، المتلونة بثوبها القشيب الخادع"، وإن أهدافه ستظل مسروقة ومغتصبة، على الأقل ضمن المديين القريب والمتوسط.

وفي ما يلي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

لا أعتقد بأن هناك من كان يتوقّع إخراج فيلم الربيع العربي، بتلك الطريقة السينمائية العفوية الطريفة، وإذا سلّمنا جدلا بحدوث تلك الفرضية، فهل كان هناك من يعتقد بأن الثورة ستأتي من الداخل ومن الأماكن المتصحّرة البعيدة؟ أكاد أجزم بأن الأمر جاء نتاج وضع احتقاني مسدود، ساعدت فيه تراكمات سوسيوثقافية واقتصادية، منها ما هو متجذّر بفعل الاستعمار وانخراط الأنظمة العربية، ضمن بؤر عصابات المافيا، التي جثمت على خيرات ومصائر شعوبها. طبعا كانت هناك إرهاصات، تبشّر بتغيّر ما، سيحصل في الأوضاع، لكن لا أحد كان يعرف توقيت ذلك بالذات، لا السّاسة ولا الجماهير.

 إلى أي حدٍّ تعتقدون بأن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

من منطلق أن الكتابة هي وعي الذات بنفسها وما حولها، فإن المبدع بصفته الضمير الحي والتنويري للمجتمع، حاول عبر مساره النضالي، ضمن السياقات التاريخية المتعاقبة، أن يقاوم تدويخ وتخدير الأنظمة شعوبها، وينبّه لغفلة ضمائرها الشعبوية أو النخبوية؛ غير أن هذا المبدع ظلّ -للأسف الشديد- في مخيال شعوبنا العربية البائسة ذلك الشخص المجنون، الذي يعيش في الهامش، مما قلّل من ثقة الدائرة الجمعية المحيطة به، ولعلّ ذلك كان أمرا مقصودا أحيانا من السلطة، دون أن يتفطّن له المثقف، إلا في مرحلة تالية، فضلا على أن الأنظمة حاولت خلق نموذج مواز للمثقف الحي، دون أن نتحدّث عن تشرذم وتراشق هذا المثقف، بين تراثي وحداثي.

من هذا المنطلق، يظهر لي أن المبدع العربي لم يكن بتلك القاطرة المفترضة لجرّ عربات قطار التحولات السوسيوثقافية، التي قامت في المجتمعات العربية، بفعل الربيع العربي، إنما جاء التغيير نتاج دوائر خلفية، يمكن تسميتها بالدوائر الشبابية العاطلة، التي كانت فضاءات المقاهي وشبكات التواصل الاجتماعي مسرحا لها.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

مما لاشك فيه أنه بعد قيام ثورة الربيع العربي حاولت أطراف عديدة احتضان الربيع العربي، والقول إنه من ابتكارها واختراعها، ولا أخال المبدع العربي، يشذّ عن هذا الطرح، وإن كان مساهما ورافدا من روافد هذا الربيع العربي، لكننا لا يمكن الجزم بأنه هو صاحب الفكرة في الأساس. طبعا بعد قيام هذه الثورات حاول المبدع العربي أن يواكب ويركب موجة هذا الربيع، عبر أجناس الكتابة ومساحات الورق المتاحة.  

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

يجب الاعتراف بأنه عندما هبّت رياح الربيع العربي على فضاءات الساحات والشوارع العربية كان العربي متعطشا للحرية والديمقراطية، مما جعله يكتشف أمرا سحريا في البداية، جعله يفرغ ما في حنجرته من سنوات الكبت والاستبداد السياسي، لكن سرعان ما سُرقت هذه الأغنية الجميلة، المتمثلة في الديمقراطية من الجماهير العربية، بطريقة ذكية من لدن القواعد الخلفية للأنظمة ذاتها، التي قامت هذه الشعوب مناهضة لها؛ مما أحدث خللا وشرخا في القواعد الشعبية. أما بالنسبة لمآل الربيع العربي، فإني أراه مرتهنا من طرف الأنظمة القديمة، المتلونة بثوبها القشيب الخادع.

على أي مدى (متوسط، بعيد، ...) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية، وعدالة اجتماعية، وحرية) ستتحقق على أرض الواقع؟

المبدع ظلّ -للأسف الشديد- في مخيال شعوبنا العربية البائسة ذلك الشخص المجنون الذي يعيش في الهامش، مما قلّل من ثقة الدائرة الجمعية المحيطة به

ستظل أهداف الربيع العربي مسروقة ومغتصبة، على الأقل ضمن المديين القريب والمتوسط. ربما تكون هذه النظرة سوداوية متشائمة في نظر البعض؛ لكنها الحقيقة، باعتبار المسار التاريخي لذهنية الحاكم العربي من جهة أولى، ومن جهة ثانية لعدم وجود مناخ سوسيوثقافي ديناميكي للمجتمع العربي، وكذا البُنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الهشّة للشعوب العربية، دون أن نتحدّث عن سكوت ومسايرة الدول العظمى للأنظمة العربية، وكذبها المصبوغ ببرغماتية مصالحها في المنطقة الشرق أوسطية والمغربية.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

الإبداع العربي تراكماته ورقية، صحيح أن المبدع العربي حاول -ولايزال- أن يخلخل الوعي القومي، ويضخّ قدرا كبيرا من الحبر على مساحات وتضاريس ورقه، من أجل خلق رؤى وتصورات تنويرية، تجعل من عقارب ساعة الليل المظلم أن تتسارع قليلا.

غير أن هذا لن يتحقق في القبض على مكاسب الديمقراطية من أهداف الربيع العربي، دون محاولة تصحيح النظرة الجمعية لهذا المبدع من جهة، ومن جهة ثانية محاولة التصالح مع ذاته المتشظية، بفعل الانتصار الأيديولوجي، الذي أهدر قدرا كبيرا من الجهد، في تقديري، لو استغلّ ضمن اللّمة والهبّة العامة للمبدع، لكان أثرها له رجع صدى أكثر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة