إسطنبول.. هجرة السوريين السرية والمصير المجهول   
السبت 6/6/1435 هـ - الموافق 5/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 23:37 (مكة المكرمة)، 20:37 (غرينتش)

عقبة الأحمد-إسطنبول

قبل مغيب الشمس تراهم يتجمعون في ساحتين متقابلتين في منطقة أكسراي بمدينة إسطنبول، ورغم أن المكان لا يوحي للزائر والمار بوجود ما يريب، فإن المنطقة لمن يعرفها مليئة بسماسرة الهجرة السرية وبالسوريين الفارين من بلادهم والراغبين في الوصول إلى دول أوروبية.

في هذا المكان يتاجر السماسرة بمصير أناس وعائلات اضطرتهم الظروف الصعبة لبيع كل ما يملكون أملا في حياة كريمة أفضل نحو ما يصفونها بـ"جنة الأرض الموعودة"، بيد أن أحلامهم الوردية ما تلبث أن تتكسر على شواطئ أوروبا بغرق في البحر أو النهر، ومن ينج يزج به في مركز اعتقال للاجئين.

تقترب رويدا رويدا من المكان تسمع كلمات باللهجة السورية، وفي طرف من ساحة الحديقة حديث يعلو وينخفض، يبدو أن نقاشا يدور للاتفاق على الثمن ووقت السفر، وفي الجانب الآخر تجلس عائلة سورية وأطفالها.

الزائر والمار بمنطقة أكسراي بإسطنبول لا يشعر بما يريب (الجزيرة نت)

خوف وريبة
ولدى محاولة الحديث معهم يتوجسون ريبة ويرفضون الإدلاء بأي معلومات ظنا منهم أنك من رجال الأمن التركي الذي ينتشر العديد منهم في المنطقة بالزي المدني، في حين يبعد آخرون وجوههم عنك.

من بعيد ترى شبابا سوريين يقفون وسط الحديقة ومعهم حقائب سفر، يبدو من هيئتهم أنهم يستعدون للسفر مع أحد السماسرة، لكنهم يرفضون الحديث مع أي شخص، فكما هو معروف تبدأ رحلة المهاجر السري المحفوفة بالمخاطر مع حلول المساء.

بالاقتراب من السماسرة وسؤالهم بالمساعدة على السفر لأوروبا يرفضون الكلام بشكل مباشر، وإنما يلمحون إلى أن باستطاعتهم المساعدة بمن يدلك على الطريق، وربما تأخذ الأمور أياما على ذلك لحين تأكدهم من عزمك الحقيقي على السفر وامتلاكك الثمن المطلوب.

تجدر الإشارة إلى أن الأتراك يشكلون نسبة 20% من العاملين في مجال السمسرة للهجرة السرية، في حين يشكل السوريون 40%، وكذلك العراقيون40%، كما تعمل مكاتب للصرافة -أحيانا- وأفراد كطرف ثالث لتأمين دفع النقود لدى الوصول إلى الجهة المطلوبة.

في مثل هذه الغرف في إسطنبول ينتظر السوريون مصير هجرتهم (الجزيرة نت)

فنادق الانتظار
في محيط المنطقة تمتلئ الفنادق الشعبية والشقق -التي حولها أصحابها إلى فنادق- بالنزلاء المؤقتين الراغبين في الهجرة من كافة الجنسيات، يشكل السوريون 90%، وفق ما تحدث للجزيرة نت صاحب فندق وبعض من حاول السفر.

سمح إبراهيم -وهو صاحب شقة حولها لفندق شعبي- بتصوير إحدى الغرف غير المسكونة، حيث توجد في الغرفة الصغيرة أربعة أسرة بطابقين، بحيث تستوعب ثمانية أشخاص، دون أية خدمات إضافية، وقال للجزيرة نت إن هناك غرفا لديه تتسع لـ12 شخصا.

يتقاضى إبراهيم من نزلائه 15 ليرة تركية (نحو ثمانية دولارات) قيمة السرير الواحد لليلة الواحدة، وأشار إلى أن النزلاء السوريين يجلسون عنده ما بين ثلاثة أيام وأسبوع، وقد تزيد أحيانا.

في مثل هذه الفنادق يعد المهاجرون السوريون الأيام والليالي أملا في الوصول إلى أوروبا، ومع الوقت تنفد نقود العديد منهم فيعودون "بخفي حنين"، أو يتحولون إلى عالة فلا هم سافروا ولا تمكنوا من الاستفادة من أموالهم.

وتتراوح مدة انتظار المهاجرين لبدء عملية التهريب ما بين أسبوع وشهر وقد تطول فتنتهي بالفشل.

في الطرف المقابل للحديقة في أكسراي بإسطنبول تجمع آخر للسوريين والسماسرة (الجزيرة نت)

قصص ومعاناة
بيد أن معاناة السوريين لا تقف عند هذا الحد، فقصص مآسيهم لا تنتهي، فسهام شابة سورية من محافظة الحسكة تعمل في أحد المقاهي المحيطة بالمنطقة، أصيبت بالإحباط وأحجمت عن السفر، إلا في حال توفر ضمانات حقيقية، وذلك إثر ما حل بشقيقها الذي حاول السفر إلى أوروبا فعاد إلى إسطنبول للعلاج بعد أن دفع آلاف اليوروهات.

وتروي سهام أن أخاها دفع مبلغ تسعة آلاف يورو، وفعلا تمكن من الوصول إلى بلغراد عاصمة صربيا، لكن الشرطة اعتقلته هناك وبعد تعرضه للضرب والتعذيب سلمته إلى بلغاريا، حيث أصبح حبيس مركز اعتقال للاجئين، وقد تمكن من الفرار والعودة إلى إسطنبول بعد رحلة شاقة، ودفعه مبلغ ألف يورو إضافيا، حيث دخل المستشفى للعلاج لما أصابه بسبب الضرب والتعذيب.

وهناك من السوريين من لم ييأس من المحاولات، وفي هذا السياق يقص إسكندر- وهو سوري كردي من مدينة عفرين بحلب- ثلاث محاولات أجراها للهجرة السرية خلال الشهر الماضي، للوصول إلى العاصمة اليونانية أثينا.

ويقول للجزيرة نت إنه بسبب معرفته بالمهربين دفع مبلغ 2200 يورو، رغم أن الأسعار تتراوح بين 2500 وثلاثة آلاف يورو للشخص الواحد، وتصل إلى 13 ألف يورو لمن أراد الوصول إلى دولة أوروبية مثل السويد.

وقد بدأت رحلته الأولى برا وصولا إلى نهر تشورو الذي يفصل الحدود مع اليونان مع أربعة أشخاص، لكن القارب انقلب بالمهرب داخل النهر فاعتقلهم حرس الحدود التركي، وأفرج عنه بعد التأكد من أنه سوري بعد ثلاثة أيام، عاد بعدها باستخدام طريق آخر للنهر وبعد عبوره النهر وركوبه القطار على الجانب اليوناني أوقفهم الأمن اليوناني بعد أربع محطات وأعادهم إلى تركيا.

إسكندر مهاجر سوري حاول العبور لأوروبا ثلاث مرات خلال شهر لكنه فشل (الجزيرة نت)

محاولات وتصميم
أما محاولته الثالثة فكانت عن طريق الجو باستخدام جواز سفر تركي دبلوماسي، لكن محاولته باءت بالفشل في مطار أتاتورك بإسطنبول فاعتقل لفترة وجيزة وأطلق سراحه "لأنه سوري".

ويؤكد إسكندر أنه سيواصل المحاولات كلما امتلك نقودا من أجل مستقبل أولاده "لأنه لا يوجد مستقبل ولا أمل". ويشير إلى أن الطريق البحري للتهريب أرخص، خاصة في الصيف إلا أنه محفوف بمخاطر كبيرة بسبب الأعداد الكبيرة التي يحملها القارب.

أما التهريب عن طريق البر، فلا يتجاوز عدد الأشخاص 12 شخصا، وفي حالات كثيرة أقل لسهولة الحركة عبر الحدود، مشيرا إلى أن حرس الحدود شدد إجراءاته رغم تعامل بعض أفراده مع المهربين، فخلال الشهرين الماضيين لم يصل إلا شخص واحد إلى أوروبا، في حين قام الأمن بحملة ضد المهربين بعد غرق عشرين مهاجرا سريا في عرض البحر قبل نحو أسبوع.

ووفق إسكندر، تستغرق الرحلة التي تبدأ الساعة السابعة مساء أربع ساعات من إسطنبول إلى قرب الحدود اليونانية يليها مشي على الأقدام لمدة نصف ساعة وصولا إلى النهر الذي يستغرق قطعه 15 دقيقة في حال النجاح بذلك، ثم مشيا على الأقدام لمدة ثلاث ساعات وركوب القطار في رحلة تستمر 13 ساعة للوصول إلى أثينا بانتظار مصير رحلة محفوفة بالمخاطر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة