ديوان باسم خندقجي.. الهارب من السجن مجازاً   
الثلاثاء 1435/6/2 هـ - الموافق 1/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 20:49 (مكة المكرمة)، 17:49 (غرينتش)
ميرفت صادق - رام الله

"المكان أنا" و"أنا وطني".. هذا ما كتبه الشاعر الفلسطيني باسم خندقجي في قصيدة تحمل اسم ديوانه الجديد "أنفاس قصيدة ليلية". وحين جاء وقت الاحتفاء بقصائده، كان المكان ينقصه، وكان عليه الحضور بتحايل ما على مكانه (السجن الإسرائيلي)، فهرب وجاء بصوته وكلماته.

مساء الاثنين، أطلق متحف محمود درويش في رام الله ديوان الأسير خندقجي، واستهل ذلك بصوت مسجل للشاعر من سجن ريمون، يقول "أهرب بصوتي لأحتفي معكم بهذه القصائد".

واعتقل خندقجي (30 عاما) -وهو من مدينة نابلس- عندما كان في سنته الجامعية الأخيرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2004، وحكم عليه بالسجن ثلاثة مؤبدات على خلفية وقوفه خلف عملية سوق الكرمل الشهيرة التي أدت إلى مقتل عدة إسرائيليين وإصابة العشرات منهم.

ومنذ اعتقاله، انشغل بالكتابة وله العديد من المؤلفات، من بينها ديوان "طقوس المرة الأولى" عن تجربة اعتقاله، وحديثا "أنفاس قصيدة ليلية" الصادر عن الدار العربية للعلوم، ويحتوي على 71 قصيدة في 176 صفحة من القطع المتوسط.

يقول خندقجي إن القصيدة في "الغربة الحديدية" رسالة طهر وتطهر وفعل حرية وتحرر، وفعل عشق ووطن أيضا. ويرى أنه يولد فلسطينيا من جديد بقصائده وبصوته الخارج من سجنه.

ويقدم لديوانه بكلمات قليلة يقول فيها "كتبت هذه المجموعة ما بين فصلي الخيبة والخذلان"، ولكنه -يضيف- انتهى منها سالمة "عندما وشى الأمل بالأفق والأفق بالأمل". 

باسم خندقجي شاعر يواجه حكما بالسجن ثلاثة مؤبدات بالسجون الإسرائيلية (الجزيرة نت)

نصوص فريدة
ويحظى الديوان بتقدمة الشاعر والإعلامي اللبناني زاهي وهبي الذي قدم ديوانه السابق. وكانت لوهبي تجربة الكتابة الشعرية من الأسر في سجن الخيام بالجنوب اللبناني إبان الاحتلال الإسرائيلي.

ويرى وهبي في نصوص خندقجي الشعرية تجربة فريدة من نوعها تنمو وتتطور خلف القضبان، ومع ذلك تظل بعيدة عن الكليشيهات التقليدية المألوفة في شعر السجون والتي غالبا ما تأتي على حساب الشروط الفنية والجمالية للقصيدة.

يقول وهبي إن خندقجي قادر على حياكة قصيدته كما يفعل حائك السجاد العجمي الذي يهتم بتفاصيل التفاصيل.

ويشبّه التكثيف في قصائد الديوان القصيرة "بعصارة القلب أو الروح"، حيث يسكب الشاعر رؤاه الفلسفية والوجودية مخاطبا الغامض والماورائي، وهو ما يمنح قصائده بعدا فلسفيا وجوديا يتساءل فيها ويسائل الغيب عن أسرار الحياة.

ويلفت إلى الصور الشعرية البديعة في قصائد خندقجي، ومنها "نتجاذب أطراف أحلامنا" في قصيدة "دفء" و"ساكسفون يراقص شجرة" في "أنفاس قصيدة ليلية"، و"أبلغ من الحلم ستين قمرا" بقصيدة "في بيت لحم".

بدوره نظر الشاعر الفلسطيني خالد جمعة الذي قدم الديوان الجديد في أمسية إطلاقه، إلى ثقافة خندقجي الغزيرة وتأثيرها في نصوصه. كما لفت إلى الرقة التي يتمتع بها والإنسانية العالية التي تشكو التجاهل، والخروج من روح البطولة لصالح الإنسان فيه، "روح تحلم بعمق أن تكون في وطن لا يتجاهل أبناءه المناضلين"، وهو "الذي لم يذكر مفردة سجن أو سجان في ديوانه كاملا".

آمنة شقيقة باسم خندقجي تقرأ بعض قصائده في أمسية إطلاق ديوانه (الجزيرة نت)

بين والديه وقضيته
وفي مطلع ديوانه يستعين الشاعر خندقجي بنص "نشتاق إلى ممارسة إنسانيتنا في مكان لنا" لمحمود درويش، وبقصيدة "ريح من الشرق" للشاعر الإسباني فدريكو غارثيا لوركا.

وفي قصيدته الأولى "أيلول الأزرق" ينتقد الحال السياسي الفلسطيني، مستذكرا ربما بما اصطلح عليه في الأعوام الأخيرة "بدولة أيلول" (سبتمبر/أيلول 2011) حين كانت المحاولة الأولى لنيل عضوية دولة لفلسطين في الأمم المتحدة.

يقول خندقجي:
يعمّر فيكِ الآن صرحٌ مني
ومن رخام كاذب وهزيمة
في ميادين أنيقة بددت الأنين ودرب المعاني والعودة
إليك عودتي، إليّ.."

ثم يضيف بتهكم واضح "كن واقعيا لتنال دولة خيالية".

ويحضر في قصائد خندقجي كل ما يشتاق إليه: شارع مدينته الطويل وبائع الخبز وعربة أكواز الذرة، والاختباء "وراء عيبال" (جبل في مدينة نابلس)، وحبه الذي لم يكتمل.

ويقول في قصيدة "من واحد إلى ثمانية":
"أي مطار أحجز فيه تذكرة للصعود إلى كوكب آخر
إلى لقاء يجمعني بما أحلم به".

وفي القصائد خوفٌ يغيب ثم يعود من فقدان والديه وشوقه إليهما، وهو يذكرهما بدايةً في قصيدة مكاشفة "وصوت أبي وأمي أخضر"، ويطير إلى دعاء أمه في قصيدة "أنانية" ويقول:
"أخطف ظلي وأطير عالياً يا أمي الدعاء
وأحط عليكِ طيفا
منك البرد والسلام..".

وفي قصيدة "حديد" يقول "إني أرى في هذا الغيم أمي وورق عنب البيت البعيد"، ويصف لهفته إلى والديه بـ"هرولة النفس إلى النفس ولهاث الأمل".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة