النصر الشامل على الأعتاب!   
الخميس 1422/8/29 هـ - الموافق 15/11/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


باريس ـ وليد عباس
هيمنت الحرب في أفغانستان على العناوين الرئيسية في معظم الصحف الفرنسية الصادرة اليوم، وقالت صحيفة لوموند "المعارضون لطالبان على عتبة انتصار شامل"، وهو ما وصفته صحيفة لومانيتي بـ"انقشاع الغيوم في أفغانستان"، بينما تساءلت صحيفة الفيغارو "ماذا بعد الحرب في أفغانستان؟"، وتحدثت صحيفة ليبراسيون عن "الهجوم الإنساني"، ورأت صحيفة فرانس سوار أن الأمور انتقلت "من الحرب إلى حرب العصابات".

هزيمة أم انسحاب ؟

ضعف المقاومة التي أبداها مقاتلو طالبان أثار دهشة إستراتيجي واشنطن

الفيجارو

قالت صحيفة الفيغارو في عنوان مقالها "تحالف الشمال يدفع طالبان إلى الفرار"، ونقلت عن أحد زعماء القبائل البشتون في الجنوب، أن قوات طالبان شكلت طوقا حول قندهار، إلا إن هذه القوات وجدت نفسها محاصرة من الجانبين عندما هاجم تحالف الشمال المدينة، بسبب تمرد سكان قندهار البشتون ضدهم، وأشارت الصحيفة إلى أن ضعف المقاومة التي أبداها مقاتلو الطالبان أثار دهشة إستراتيجي واشنطن، حيث أعرب وزير الدفاع دونالد رمسفيلد عن أمله في أن تتحرك قبائل البشتون التي لا تؤيد طالبان في الجنوب لتمسك بزمام الأمر، وقالت الصحيفة "يبدو أن آمال رمسفيلد قد تحققت"، والتقى موفد الصحيفة الخاص في طالوقان بعدة نماذج من أسرى تحالف الشمال، بدء بالفلاح الأفغاني البسيط الذي أجبره قادة طالبان على الانضمام لمقاتلي الحركة، ومرورا بفتى باكستاني أرسله أستاذه في المدرسة القرآنية للقتال ضد الأميركيين ليفاجأ بأنه يقاتل ضد المسلمين في تحالف الشمال، وانتهاء بمقاتل من تنظيم القاعدة، رفض الإفصاح عن جنسيته معتبرا أنه لا توجد حدود جغرافية للإسلام، وهذا النوع الأخير من المقاتلين هو الأغلبية حاليا، في مدينة قندز آخر معاقل طالبان في الشمال، حيث تجمعوا هناك بعد سقوط مزار شريف، مما يفسر، وفق مراسل الصحيفة، المقاومة القوية التي يواجهها تحالف الشمال لإسقاط هذه المدينة.


إنه أمر خطير أن نتصور أن حركة طالبان قد انهارت بالفعل، بالرغم من الخسائر الكبيرة التي منيت بها

جنرال أميركي-ليبراسيون

وأشارت صحيفة ليبراسيون تحت عنوان "قلاع طالبان تتساقط كأحجار الدومينو" إلى الفارق بين تصريحات رئيس الحكومة البريطانية توني بلير عندما قال "إن الفكرة القائلة بأن انسحاب قوات طالبان هو انسحاب تكتيكي، ليست إلا آخر أكاذيب هذه الحركة"، بينما كان البنتاغون أكثر حذرا، حيث نقلت الصحيفة تصريحات أحد الجنرالات الأميركيين الذي قال "إنه أمر خطير أن نتصور أن حركة طالبان قد انهارت بالفعل، بالرغم من الخسائر الكبيرة التي منيت بها".

وطرحت صحيفة فرانس سوار الأمر بشكل مباشر، عندما تحدثت عن الانتقال من مرحلة حرب تقليدية إلى مرحلة حرب العصابات، منطلقة من التصريحات الأميركية، وخصوصا تصريحات وزير الدفاع، الذي شدد على أن المرحلة المقبلة هي الأطول والأكثر صعوبة، حيث ستبدأ عمليات البحث على الأرض عن أعضاء تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن والملا عمر، وشبه الأمر بالبحث عن إبرة في كومة قش.

السلطة الجديدة
و
أشارت صحيفة ليبراسيون في افتتاحيتها "إلى السلبيات التي تشوب نجاح حلف الشمال، حيث ينبغي على أطراف هذا الحلف الحفاظ على الوفاق فيما بينهم، أضف إلى ذلك أن الحلف أساء إلى باكستان عندما دخل إلى كابل مخالفا رغبة إسلام آباد، حيث تظل باكستان حليفا ضروريا وهاما للغاية للسلطة الجديدة، نظرا لأن مناطقها الغربية تقع تحت سيطرة قبائل البشتون، والتي تعجز السلطات الباكستانية من السيطرة عليها، ويمكن بالتالي أن تشكل قاعدة خلفية لحركة طالبان وتنظيم القاعدة وبن لادن وقالت الافتتاحية في الختام "ينبغي الآن التوصل إلى تركيبة للسلطة تحترم توازنا دقيقا وصعبا، كما ينبغي فرض حد أدنى من النظام والقانون في بلد تسوده الفوضى، وهو عمل تعجز عنه صواريخ كروز والمقاتلات الأميركية، ويتطلب رجالا يعملون على الأرض وليس القوات الخاصة".

تساؤلات دولية

العواصم العالمية، وخصوصا باريس، تتحرك بنشاط مكثف لاستبدال ضجيج القنابل والمدافع، بعقلانية حل سياسي، ودعوة الأمم المتحدة لاقتحام الميدان بكافة إمكانياتها، لدعم المجتمع الأفغاني بكافة أطرافه باستثناء طالبان

اللومانيتي

ويبدو أن المسؤولين في العواصم الغربية على وعي بضرورة حل سياسي عاجل، وكما تقول صحيفة اللومانيتي في افتتاحيتها، تحت عنوان "كابل العام 1" "كافة العواصم العالمية، وخصوصا باريس، تتحرك بنشاط مكثف لاستبدال ضجيج القنابل والمدافع، بعقلانية حل سياسي، والدعوة موجهة للأمم المتحدة لاقتحام الميدان بكافة إمكانياتها، لدعم المجتمع الأفغاني بكافة أطرافه، باستثناء طالبان".

ونشرت الصحيفة خريطة للمواقف الدولية بدء من الولايات المتحدة التي تريد الاحتفاظ بالقيادة سواء على المستوى العسكري أو السياسي خلال المرحلة المقبلة، وموسكو التي قد تتفق مع واشنطن حول العديد من القضايا، ولكن مجال الخلاف مازال واسعا، خصوصا فيما يتعلق بالموارد النفطية والسيطرة الإستراتيجية على تلك المنطقة، ورأت الصحيفة أن هذه المصالح ليست بعيدة عن اللقاء الروسي الإيراني من أجل إطلاق المفاوضات حول تقاسم الاحتياطي النفطي في المنطقة بين بلدانها، وإيران التي لم تعترف بطالبان وتمسكت بشرعية الرئيس المخلوع رباني، حققت انتصارا كبيرا مع انتصار تحالف الشمال، حيث تريد طهران العودة إلى الاستقرار في بلد لها معه حدود مشتركة يبلغ طولها 900 كيلو متر، أضف إلى ذلك وجود أكثر من مليون ونصف المليون من اللاجئين الشيعة الأفغان على الأراضي الإيرانية، كما تأمل طهران أن يقضي استقرار الأوضاع في أفغانستان على عمليات تهريب المخدرات إلى أراضيها، ويبقى، أخيرا، باكستان، حيث يسود غضب شديد من قيام تحالف الشمال بدخول كابل بعد بضعة أيام من الوعد الذي تلقاه الرئيس الباكستاني مشرف من نظيره الأميركي بوش بأن التحالف لن يستقر في العاصمة، ومصدر الغضب الحقيقي في إسلام آباد، وفق الصحيفة، يكمن في أن الدور الباكستاني كقاعدة للعمليات العسكرية الأميركية انتهى عمليا بعد أن سيطر تحالف الشمال على شمالي أفغانستان، وقالت الصحيفة "السلطات الباكستانية التي أقامت ديكتاتورية طالبان في كابل، بمساعدة أميركية، واعتمادا على قبائل البشتون المتواجدة في البلدين، لخدمة مصالحها في حربها مع الهند للسيطرة على إقليم كشمير، ترى نفسها اليوم على فوهة بركان مع انقلاب الموقف الأميركي ضد طالبان، بعد اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول الماضي".

حرب مكلفة
أشارت صحيفة لوموند في مقال خاص إلى التكلفة المرتفعة للحملة الأميركية، حيث تبلغ هذه التكاليف أكثر من مليار يورو شهريا، وشرحت الصحيفة أن الأمر يعود للمسافة الكبيرة التي تفصل مسرح العمليات عن القواعد الأساسية للطيران الأميركي، مع المقارنة مع حرب الخليج عام 90ـ1991، أو قصف كوسوفو عام 1999، حيث كان الطيران الأميركي يتمتع بمطارات وقواعد قريبة في الحالتين، وتكمن الصعوبة الثانية في قلة المعلومات المتوفرة لدى الأميركيين، والذين اضطروا في المرحلة الأولى لقبول القليل الذي أرادت المخابرات الباكستانية تقديمه من معلومات، مع العلم بأن المخابرات الباكستانية مرتبطة بعلاقات وثيقة مع طالبان وتنظيم القاعدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة