التغير المناخي.. تحد كبير يواجه البشرية   
الاثنين 4/2/1437 هـ - الموافق 16/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:06 (مكة المكرمة)، 13:06 (غرينتش)

المهندس أمجد قاسم

شهدت الكرة الأرضية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن ارتفاعا كبيرا في تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي تجاوز مؤخرا 400 جزء من المليون، وهذا الغاز يعتبر المسبب الرئيسي لظاهرة الاحتباس الحراري التي أدت إلى إحداث تغيرات واضحة وخطيرة في مناخ الأرض.

لقد بينت الدراسات البيئية أن تركيز الغاز الكربوني كان قبل الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر يبلغ في المتوسط 280 جزءا في المليون، وقد أدى حرق كميات هائلة من الوقود الأحفوري والأنشطة البشرية المختلفة إلى انبعاث ملايين الأطنان من هذا الغاز في الغلاف الجوي، إذ تسارعت وتيرة هذه الانبعاثات، حيث كانت في خمسينيات القرن الماضي تبلغ 0.7 جزء في المليون سنويا وفي السنوات العشر الماضية ارتفعت إلى 2.1 جزء من المليون سنويا.

رغم توقيع كثير من دول العالم على اتفاقيات دولية للحد من الانبعاثات الغازية الضارة ببيئة الأرض، فإن معدل الزيادة في تراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي ما زال آخذا في التزايد

تحذيرات الخبراء
رغم توقيع كثير من دول العالم على اتفاقيات دولية للحد من الانبعاثات الغازية الضارة ببيئة الأرض، ما زال معدل الزيادة في تراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي آخذا في التزايد، فبعد اتفاق كوبنهاغن الشهير الذي عقد في ديسمبر/كانون الأول 2009 واتفاق 193 دولة مشاركة فيه على أهمية الحد من الانبعاثات الغازية، أصدر خبراء دوليون في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في أستوكهولم في سبتمبر/أيلول 2014 تقريرا خطيرا يتوقع أن ينجم عن الاحتباس الحراري الذي تتسبب به نشاطات الإنسان المختلفة زيادة في درجة حرارة الأرض قد تصل إلى 4.8 درجات مئوية بحلول العام 2100، علما بأن حرارة الأرض قد ارتفعت 0.8 درجة مئوية منذ بداية الثورة الصناعية.

هذا التقرير الذي صدر عن خبراء بارزين في المناخ توقع أن يرتفع مستوى الماء في بحار العالم نحو 82 سنتيمترا جراء ذوبان الثلوج في القطبين بحلول العام 2100، وأن ذلك سيكون له عواقب وخيمة على التجمعات السكانية المحاذية لتلك البحار، كما سوف تتأثر كل الأنظمة الحيوية على سطح الأرض بسبب التغيرات المناخية القاسية كموجات الحر الشديد وارتفاع نسبة الرطوبة في بعض المناطق وموجات من الهطول المطري في بعض الأماكن والجفاف الشديد في أماكن أخرى، كما سيتأثر مخزون الغذاء العالمي.

هذه التحذيرات ستكون مطروحة أمام المجتمعين في القمة العالمية للمناخ التي ستعقد في باريس في 30 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري لاتخاذ الإجراءات الفورية والملزمة لدول العالم للحد من التدهور المناخي الذي تشهده الأرض حاليا.

صورة قاتمة لمدينة بكين تظهر حجم العتمة في المدينة بسبب تلوث الجو (الأوروبية)

متصدرو القائمة
و
تتصدر الصين بنسبة 25% والولايات المتحدة بنسبة 15% والاتحاد الأوروبي بنسبة 10% والهند بنسبة 6% وروسيا بنسبة 5% قائمة أكثر دول العالم في الانبعاثات الغازية الضارة بالبيئة كثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز ومركبات الهيدروفلوروكربون.

فمنذ العام 1970 حتى اليوم ارتفعت تراكيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي بنسبة 70%، وحسبما تبينه الدراسات، فقد نتجت أكبر زيادة في انبعاث ثاني أكسيد الكربون من قطاع توليد الطاقة، تلاه قطاع النقل ثم الصناعة ثم الزراعة.

من جهتها أكدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أنه يجب حصر الاحترار المناخي بدرجتين مئويتين وعدم تخطي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مستوى ألف غيغا طن لمنع حدوث خلل كبير في النظام المناخي للأرض.

ما تشهده بعض الدول العربية من طقس متطرف هو نتجية للتغيرات في مناخ الأرض (الجزيرة)

الدول العربية والانبعاثات الغازية
رغم أن الدول العربية لا تساهم في الانبعاثات الغازية الضارة بأكثر من 5% فإن تأثيرات التغير المناخي ستكون قاسية عليها، نظرا لشح مواردها المائية وارتفاع مستوى الجفاف بسبب وقوعها في إحدى المناطق الأكثر جفافا في العالم، ووقوع كثير من الدول العربية قرب سواحل البحار التي تتركز فيها غالبية النشاطات الاقتصادية والصناعية والزراعية والسكانية المختلفة التي ستتأثر مباشرة بارتفاع مستويات البحار الناجمة عن التغير المناخي العالمي، مما سيؤدي إلى غرق تلك المناطق الساحلية وزيادة ملوحة التربة والمياه العذبة الشحيحة الموجودة في الآبار الجوفية.

وتقدر الدراسات أن ارتفاع مستوى المياه مترا واحدا سيؤثر على نحو 41500 كيلومتر مربع من الأراضي الساحلية العربية مما سيؤثر على 3.2% من عدد السكان، إذ ستغمر المياه ما بين 12% و15% من دلتا النيل وستخسر البحرين نحو 20% من أراضيها كما ستتأثر كل من تونس والمغرب والجزائر وقطر والكويت والإمارات.

ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى تفشي كثير من الأمراض المعدية كالملاريا والبلهارسيا وغيرهما، كما سوف تزداد حالات الحساسية والأمراض الرئوية الخطيرة

إن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى تفشي كثير من الأمراض المعدية كالملاريا والبلهارسيا وغيرهما، كما سوف تزداد حالات الحساسية والأمراض الرئوية الخطيرة التي سوف تزداد سوءا مع اشتداد العواصف الرملية، كما أن امتداد فصول الجفاف سوف يؤثر على المحاصيل الزراعية مباشرة، وهذا يستدعي تطوير أنماط زراعية قادرة على تحمل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

من جهة أخرى، فإن ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية وتراكم كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو سوف يقضي على كثير من الشعاب المرجانية التي تعيش في المياه العربية، إذ إن زيادة نسبة الغاز الكربوني في الجو، يؤدي إلى ذوبان كميات كبيرة منه في المياه مما يرفع من حموضة تلك المياه بسبب تكون حامض الكربونيك، وهذا يتسبب في حدوث ظاهرة ابيضاض الشعاب المرجانية والقضاء عليها، مما يؤثر أيضا على كثير من الكائنات البحرية التي تتخذ من تلك الشعاب موئلا لها.

إن التقاعس الدولي في التحرك لكبح جماح التغير المناخي يهدد كل دول العالم بعواقب وخيمة سوف تدفع ثمنه الأجيال القادمة التي سترث عالما مختلفا تماما، إذ إن مثل تلك التغيرات سوف تفوق قدرة النظام البيئي للأرض على استعادة توازنه خصوصا عندما تتخطى الزيادة في درجة الحرارة حاجز الدرجتين مئويتين.

وما تشهده كثير من بقاع العالم حاليا ومنها منطقتنا العربية من تقلبات مناخية ما هي إلا مؤشرات على حجم التغيرات التي سوف يشهدها كوكبنا الأزرق في المستقبل القريب ما لم يتحقق تعاون دولي جاد ومثمر لمنع الكارثة البيئية للأرض ولوقف الصعود نحو الهاوية.

___________________
* كاتب علمي متخصص في هندسة تكنولوجيا الصناعات الكيميائية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة